تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

تجارب تنموية أفكار ومحاولات من العالم

لا شك أن التجارب التنموية للدول والمدن حول العالم، تمثل مرجع مهم ومفيد للاستفادة منه وتطويره بما يتناسب مع احتياجات وظروف البلدان الأخرى. إلا أن هذه السياسة قد يتم تطبيقها في كثير من الأحيان بشكل خاطئ وغير صحيح. الأمر الذي قد يؤدي أحياناً إلى تفاقم المشكلات عوضاً عن حلها. هذا الخلل يعود إلى الاقتصار على (النقل) دون التطوير ومراعاة الفوارق والاختلافات. ولعلنا في العالم العربي قاطبة نعد من أكثر الدول التي عانت من هذا النقل على أرض الواقع.

 

حتى باتت مدننا وسياستنا التنموية مزيج غير واضح الملامح، انعكس على هوية مدننا، ولم يحقق أهدافه التي كنا نظن أنه سيحققها. لهذا السبب ومع انطلاقتنا للسنة الثالثة لمجلة (LAYOUT) أضفنا ضمن قسم التخطيط العمراني، زاوية جديدة تحت مسمى (تجارب تنموية) سلطنا من خلالها الضوء على عدد من التجارب التنموية لمدن عالمية. بحيث نوضح الغايات والسياق والأفكار لتلك التجارب وما آلت إليه من نتائج إيجابية وسلبية. في محاولة لإعادة فتح ثقافة القراءة والاستنباط في مقابل حالة (الانبهار) التي لا نزال نرى فيها جميع ما يحدث خارج حدود منطقتنا العربية. وفيما يلي ملخص عن هذه التجارب:

 

سنغافورة:

نموذج للتنمية على المدى الطويل

عندما حققت سنغافورة الحكم الذاتي في عام (1959م) كان النقص في المساكن في وسط المدينة المكتظة شديداً بسبب زيادة عدد السكان في فترة ما بعد الحرب، وتدمير المساكن خلال الحرب، بالإضافة إلى تدفق المهاجرين. وعلى الرغم من تلك المشاكل التنموية الصعبة، لم تنشئ الحكومة برنامجاً للتجديد الحضري، ولكنها عملت بدلاً من ذلك على إنشاء نظام فعال للإدارة الحضرية. وقد بدأ ذلك بإعادة تنظيم وكالات التخطيط والإسكان كخطوة أولى. الأمر الذي دعا إلى إنشاء حكومة مركزية ذات مستوى واحد ساعدت على الإسراع في اتخاذ القرارات. مدعومة بسلطتين جديدتين، هما إدارة التخطيط ومجلس الإسكان والتنمية وذلك في عام (1960م) لتتولى مسؤوليات تخطيط استخدام الأراضي والمساهمة في مجال الإسكان العام في سنغافورة. بالإضافة إلى ذلك، تم تنفيذ العديد من التغييرات التشريعية في هذه السنوات التي ساهمت في جهود التجديد الحضري اللاحقة. وقد سهل قانون حيازة الأراضي (1966م) إلى إعادة تملك الأراضي من قبل الدولة، مما سمح للدولة بتأمين الأراضي الخاصة للمنفعة العامة دون تكلفة مالية مفرطة. كما أن تعديل كما أن تعديل قانون التخطيط لعام (1964م) دعم ذلك التجديد، حيث أدخل نظاماً للتطوير التنموي، يطالب من المطورين بأن يدفعوا للدولة جزءاً من المنفعة الناشئة عن منح إذن التنمية. لكن ما هي القصة لهذا التحول التنموي، وكيف كانت تفاصيلها آنذاك؟

لاشك إن إعادة تطوير الواجهة البحرية الحضرية في سنغافورة والمتمثل في منطقة (الحذاء الذهبي) ونهر سنغافورة وخليج مارينا جسد منهج سنغافورة الفريد في التنمية الحضرية لتحقيق التوازن بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ضمن ما يعرف بندرة الأراضي. وفي حين أن العملية قد تطورت منذ الأيام الأولى، فقد ظلت المبادئ الأساسية مستمرة على مر السنين. ولعل الدرس المستفاد من تجربة سنغافورة يتمثل في محورين، الأول هو التخطيط على المدى البعيد، وما يتطلب ذلك من وضع برنامج تنفيذي دقيق، حقق المتابعة الصادقة على أرض الواقع لتنفيذ هذه الخطط. أم المحور الثاني فهو يتمثل في الشراكة المثمرة مع القطاع الخاص، والذي لعب دوراً تنموياً أكثر من الدور الاستثماري أو التجاري الذي يعتمد على تحصيل الأرباح بغض النظر عن النتائج الفعلية على أرض الواقع. ولاشك أن للقيادة أثر هام على التخطيط والتنفيذ. فأحد الجوانب الهامة للقيادة هو وجود الإرادة السياسية لدفع السياسات أو المشاريع التي تعتبر غير شعبية أو صعبة سياسياً، إذا كان القادة مقتنعون بأن مثل هذه السياسات أو المشاريع هي لصالح المدينة على المدى الطويل في ظل استجابة المجتمع لمثل هذه التحولات التنموية الكبرى.

 

أحمد آباد:

العودة إلى الجذور

لعل التجربة التنموية لمدينة (أحمد آباد) تعد من التجارب المباشرة لتحقيق أهداف تنموية وفق مورد أو مصدر واحد. إلا أن الحبكة في هذا النموذج قائمة على فكرة النظر إلى ما هو بين يديك كنقطة انطلاق نحو آفاق تنموية مستقبلية.

وهو ما يجعلها تجربة فريدة من نوعها على مستوى التنمية المحلية، والتحول تدريجياً لتحقيق اكتفاء شبه ذاتي من حيث المورد الاقتصادي في ظل تحقيق مكاسب اجتماعية وعمرانية. وبشكل عام يمكن استعراض بعض أبرز الدروس المستفادة من هذه التجربة على النحو التالي: أولاً، استقلالية إدارة المشاريع عن الجهات والمؤسسات المحلية العامة، تساهم أكثر في ضبط توجه المشروع وتحقيق الأهداف التنموية منه بشكل مباشر وبدون تدخلات أو اعتراضات نظامية. الأمر الثاني هو البحث عن المصادر الأساسية للمدن والمتمثل في مكوناتها ومواردها الأساسية، والعمل على تعزيز هذه المصادر ضمن مفاهيم تنموية ذات بعد استثماري وعمراني ينعكس على تطوير المدينة نفسها. والأهم من ذلك هو وجود قنوات قانونية يمكن فيها للأطراف الأخرى اللجوء إليها في حال التضرر من المشروع، حتى وإن كان ذا صفة رسمية.

 

جوهانسبرغ:

التغلب على أزمة الوسط التاريخي

لا تكاد هناك مدينة لم تعاني من أزمة من القلب التاريخي، أو المدينة القديمة في منطقة الوسط، فهذه الإشكالية ظلت ولا تزال أحد أكبر المشكلات التي يواجهّا المخططون خصوصاً في وقتنا الحالي. فهل نذهب مع إزالة المنطقة وإعادة بنائها أم أننا نتجه نحو الحفاظ والتطوير؟ أم يجب أن تبقى الأمور كما هي عليه؟ وعلى الرغم من محدودية هذه القرارات، إلا أن الأمر أصعب عندما يكون القرار حول هذا الوسط، فالمسألة هنا ليست قرارات فردية، بل هي أراء تمثل مثالج مختلفة ومتعارضة، لا تزال مثار جدل بين الفئات المعنية حول الخطوة المفترض القيام بها تجاه هذا الوسط حتى يومنا هذا. بدأ جوهر عملية الرؤية للمدينة الداخلية في عام (1996م)، واستمر حتى الوقت الحاضر مع سلسلة من القرارات، والتخطيط، وتنفيذ العمليات. وكانت أهم نتائج هذه العمليات هي تطوير مجموعة متنوعة من الهياكل التي نشطت أصحاب المصلحة المسؤولين، بما في ذلك: مثل منتدى تنمية المدن الداخلية، وإنشاء مكتب المدينة الداخلية، الذي أصبح فيما بعد وكالة تنمية جوهانسبرغ. حيث يعد الوسط التاريخي لمدينة جوهانسبرغ مركز النشاط الاقتصادي في منطقة العاصمة بسبب جهود التجديد التي قادها أصحاب المصالح المشتركة على مدى العقدين الماضيين. ويعيش ما يزيد عن (400) ألف شخص في المنطقة، ويمر حوالي (1) مليون شخص عبر المدينة الداخلية كل يوم. كما تستضيف العديد من الشركات الصغيرة وتجار التجزئة المحليين، المملوكة أساساً من قبل شريحة الدخل المنخفض.

إلا أن الدرس الأكبر في هذه المسيرة التنموية يكمن في: مدى صعوبة تطوير القلب التاريخي للمدن، فعلى مدار (22) سنة لم تحقق مدينة جوهانسبرغ رؤيتها التي بدأت منذ القرن الماضي، ولعل المرحلة العقلانية التي وصلت إليها في عام (2013م) من خلال استعراض ودراسة جميع القرارات والمبادرات السابقة كان نقطة الانطلاق الحقيقة بالنسبة لتنمية الوسط التاريخي. عوضاً عن الاستمرار في الحركة في حلقة مفرغة لتكرار القرارات بمسميات وأشكال مختلفة. وعلى الرغم من أن ما تنوي القيام به مدينة جوهانسبرغ لا يزال في بداياته، إلا أن مجرد وجود رؤية واضحة يتفق عليها أصحاب المصالح المختلفة يعد الخطوة الأولى نحو إعادة تفعيل هذه المناطق ضمن النطاق المعاصر للمدن.

 

سيؤول:

التجديد الحضري في ظل عامل الوقت

كثيراً ما تقع خطط التجديد الحضري في مصيدة المحافظة على أكبر العناصر القديمة من حيث قيمتها الإنشائية أو التاريخية، ومن ثم العمل على تحديد المناطق الغير مهمة للخروج بحل يمكن وصفه بأنه من (أنصاف الحلول). في تجربة مدينة سيؤول عاصمة كوريا الجنوبية يختلف الأمر تماماً. فعملية التجديد بدأت بالصعوبات الكبرى في محاولة لزيادة الجدوى الاستثمارية من التجديد، وعمل تغيير حقيقي يتناسب وتطلعات المدينة والمجتمع الجديد. في هذا العدد سنتناول هذه التجربة بشيء من التفصيل.

أدى تجديد المنطقة إلى تأثيرات مباشرة ناجمة عن عملية التجديد نفسها من حيث الحركة وتوفير فراغ عام عزز من التوجه البيئي، وآثار غير مباشرة أدت إلى خلق قيم عقارية أعلى في المنطقة، وبالتالي إعادة تنشيط وسط مدينة سيؤول، والذي يجتذب الناس والنشاط التجاري الآن. وعلى نطاق أوسع، أسفرت عملية الاستعادة عن تغييرات في الوعي المدني، فضلاً عن استراتيجيات التخطيط الحضري لإصلاح وسط المدينة والنقل العام. حيث كانت أسعار الأراضي داخل دائرة نصف قطرها (100) متر من تشيونغيتشون أعلى بنسبة (15%) فقط بالمقارنة مع تلك التي تقع داخل دائرة نصف قطرها (600) متر. ومع ذلك، وبعد التحول إلى مساحة خضراء، تضاعفت الفجوة في القيمة بنسبة (30%).

واشتمل المشروع على إنشاء مساحة عامة خضراء جديدة يبلغ مجموع مساحتها (16.3) هكتاراً. هذا الفضاء الجديد يستضيف الأنشطة الاجتماعية والثقافية، حيث استضاف (259) فعالية في الفترة (2005-2007م). ويوفر موائل للحيوانات والنباتات، ويفيد البيئة عن طريق خفض درجات الحرارة. ومن وجهة نظر المواطنين، كان أكبر مساهمة للترميم هو توفير مكان لطيف للاسترخاء.

 

بوينس آيرس:

مائة عام من العزلة

تعود قصة هذه التجربة إلى عام (1889م)، عندما أنشأ ميناء (برتو ماديرو) كميناء لمدينة بوينس آيرس الأرجنتينية. كان الميناء حينها رمز للأفكار السياسية التي اجتاحت البلاد في تلك الفترة، خصوصاً أن موقعه كان أمام المركز الإداري الاتحادي الأرجنتيني والذي يعرف بـ(بلازا دي مايو) وأيضاً أمام مقر الرئيس (كازا روزادا). إلا أنه وبسبب الخطأ الهندسي في تصميم عرض الأرصفة البحرية، حيث كان أقل من العرض الممكن لتشغيل الميناء وفق معايير الهندسة البحرية، جاء القرار بأن الميناء غير صالح للسفن بعد سنوات من التنفيذ، الأمر الذي تحول مع مرور الزمن إلى هدر حضاري ضمن نطاق المدينة امتد إلى ما يقارب المائة عام، فماذا حدث؟

تتوافق الآراء العامة والمتخصصة في مجال التنمية على أن مشروع (بويرتو ماديرو) كان ناجحاً بكل المقاييس، صحيح أن هناك بعض المسؤولين الإداريين اللذين كانوا يأملون برفع العوائد المالية من خلال رفع أسعار المبيعات للأراضي في ذلك الوقت. إلا أن الهدف لم يكن استثمارياً بحتاً. لقد حلمت المدينة خلال المائة عام الماضية أن تعيد استخدام ذلك الميناء الكبير والمهجور كجزء منها. لم يكن الأمر متعلق بالمال بقدر ما كان متعلق بتطوير المكان. ومع ذلك يمكن القول بأنه وبحلول (2010م) تم بناء مجموعة (2.25) مليون متر مربع من المساحة في المشروع.

وبلغت قيمة الاستثمار العام والخاص حتى عام (2009) ما قيمته (1.7) مليار دولار أمريكي، وبنحو (2.5) مليار دولار أمريكي عند اكتمال المشروع، وهو ما ساهم في مضاعفة قيمة المتر المربع للاستخدام السكاني بين عامي (2005 – 2013م) من (2647) دولاراً أمريكياً إلى (4948) وهو ما يعد ربح عالي جداً، بالإضافة إلى أنه تم توظيف الفائض في تطوير المنطقة.

 

شانغهاي:

التطوير بين خيار الحفاظ أو الهدم

شهدت مدينة شانغهاي إحدى المراكز الاقتصادية والسكانية الرئيسية في الصين، توسعًا حضريًا ساهم في تغيير جذري للمدينة ووسطها منذ التسعينات. هذا التوسع جاء وفق سياسات الهدم وإعادة البناء ضن خطط قد يعتبرها البعض من أكثر الخطط قساوة، خصوصاً فيما يتعلق بإطار المجتمعات المحلية أو حتى من حيث الاهتمام للحفاظ على النسيج الحضري أو الهوية التاريخية الهامة للمدينة. إلا أن هذه التجربة الصينية قد استثنت منطقة (شينتياندي) كنموذج بعث الأمل لدى الصينيين نحو الحفاظ على هويتهم. أدى إعادة تطوير منطقة (شينتياندي) إلى تحقيق فوائد اجتماعية وسياسية وثقافية هامة، إلا أنها لم تكن ناجحة على مستوى اقتصادي أو استثماري. وتشمل الفوائد العامة للمشروع بناء حديقة وبحيرة (تايبينغكياو)، مما زاد من المساحات الخضراء العامة في مدينة شنغهاي المركزية. مشروع (شينتياندي) ومنطقة (تايبينغكياو) المحيطة بها تحقق الأهداف الإنمائية لتعزيز وتدويل (شنغهاي) وسائل الراحة الجديدة لجذب والاحتفاظ بالمهنيين في المدينة. ومع ذلك، فإن القيمة التي تم إنشاؤها من خلال المشروع، هي وسائل الراحة المتقدمة، والتي استفاد منها بشكل مباشر السكان الأصليين. وفي حين تم تلبية مطالب السكان المحليين بتحسين الظروف المعيشية، فقد تم ذلك من خلال نقل جماعي إلى مبانٍ جديدة تقع على مسافة متوسطة البعد من فرص العمل والفرص الاقتصادية.

وبشكل عام يمكن القول بأن إعادة التطوير المستقبلية يمكن أن تأخذ في الاعتبار النقاط التالية: (1) يمكن أن يعتبر التصميم الحضري أداة مناسبة لمناقشة المطور والتوصل إلى توافق في الآراء مع المسؤولين المحليين، فضلًا عن أصحاب المصلحة الآخرين منذ البداية. (2) الاستمرار في التنفيذ رغم المشكلات المالية التي واجهت المشروع أعطت ثقة للمستثمرين بالاستمرار وعدم فقدان الأمل في استثماراتهم، الأمر الذي أنعكس حتى على جذب مستثمرين جدد. (3) يمكن أن يساعد إعادة تطوير منطقة خاصة داخل منطقة أكبر ككل على تحقيق التوازن بين التكاليف والمنافع طويلة الأمد. خصوصاً إذا ما تم اعتبار التراث الثقافي من الأصول وشكلاً من أشكال رأس المال التي یمکن أن تعزز ھویة المکان وتولد بل وترفع قیم العقار. (4) هناك مشاريع تنموية قد تفشل من حيث المردود الاستثماري إلا أنها ناجحة من حيث الجوانب الاجتماعية والبيئية والعمرانية.

 

واشنطن:

التوازن بين غرب وشرق المدينة

كثيراً ما تعاني عواصم البلدان من عدم توازن بين فئات ومناطق العاصمة، البعض يرى أن السبب في ذلك يكمن في تلك الأولوية التي تعطى للعاصمة وثقلها السياسي، فالحاجة لوجود مباني لإدارة وتشغيل الحكومة قد تفوق بشكل أو بآخر الحاجات الأخرى للمدينة كالجانب الاجتماعي أو البيئي. ومع أنه لا يمكن التعميم على جميع العواصم بهذا الرأي، إلا أنه قد يمكن الحكم على عاصمة الولايات المتحدة بذلك!

على الرغم من أن نتائج المبادرة تؤثر مباشرة على المجتمعات الأقل دخلاً في المدينة، إلا أنه يمكن اعتبار المشروع تطوير للمدينة ككل.

فعند المقارنة بين عام (2000م) وعام (2009م) يمكن القول بأن جميع المؤشرات الرئيسية لتحقيق الأهداف البيئية والاقتصادية والمجتمعية في منطقة تنمية الواجهة المائية في (أناكوستيا) تعتبر إيجابية. وفيما يلي أهم الدروس المستفادة من هذه التجربة:

(1) وجود رؤية واضحة ومدعومة من الجانب السياسي أو الإداري للمدينة، فهي مشاريع معقدة وطويلة وتحتاج إلى إيمان ثابت بالنتائج الإيجابية. (2) تقسيم الرؤية إلى مشاريع ممكنة وصغيرة، هذه الاستراتيجية تعد من النقاط الممكنة لتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع. (3) إدارة التوقعات أيضاً يمكن أن تعتبر درساً مهماً، فكما حصل في الجدل حول جدوى بناء الملعب، أثبتت التوقعات مدى فائدة الجدوى العائدة من المشروع. (4) مشاركة المستفيدين، سواء من السكان أو المستثمرين تعد من أهم نقاط نجاح التجربة في تجديد المنطقة.

 

سانتياغو:

العمل على جذب الهجرة المحلية

قد يكون من المعروف الإشكاليات المترتبة على الهجرة المحلية نحو المدن الكبرى، لكن ماذا لو كان الأمر بالعكس! بمعنى أن تواجه المدن تحدياً حضارياً بسبب الهجرة من المدينة الكبيرة إلى المدن الأخرى؟ ليس من قبل المهاجرين الجدد وحسب بل أيضاً من قبل سكان المدينة الأصليين؟ هذه الإشكالية التنموية واجهتها مدينة (سانتياغو) منذ منتصف القرن العشرين. الأمر الذي دفع المدينة نحو إيجاد سياسات لجذب السكان حتى لا تواجه خطر الاندثار.

من أهم نتائج برنامج التقويم الاستراتيجي هو تعزيز سوق الإسكان وإعادة بناء المنطقة المركزية، التي أصبحت الآن واحدة من أكثر المناطق السكنية حيوية في منطقة العاصمة. حيث ارتفع عدد السكان في الفترة ما بين عامي (2002 و2012م) بنسبة (55%). وتضاعف تقريباً عدد المساكن، حيث تم تنفيذ (646) مشروعاً إنمائياً كجزء من برنامج الجذب الاستراتيجي.

وبشكل عام، أصبح سوق الإسكان أكثر استقلالية وتنافسية. حيث تم تطوير حوالي (10) آلاف وحدة بموجب اتفاقيات تعاون بين المطورين والمركز من عام (1990م) وحتى عام (2012م) مثلت المشاريع السكنية وفق المشاركة بين القطاع العام والخاص قرابة (40%) من إجمالي المشاريع.

ومنذ ذلك الحين، بدأ سوق الإسكان في مقاطعة سانتياغو للعمل بشكل مستقل. وبالإضافة إلى ذلك، كانت النتائج المالية لخطة تجديد سانتياغو كبيرة، حيث ارتفع إجمالي الإيرادات البلدية بنسبة (55.2%) في الفترة (2001 - 2013م).

ومع ذلك، تلقى برنامج الجذب الاستراتيجي انتقادات، خصوصاً في تغيير النسيج العمراني للمنطقة سواء من التصميم أو الارتفاعات الشاهقة للمباني السكنية. الأمر الذي جعل هناك صوت من المعارضة تجاه إيقاف هذا النمط من البنيان ووضع حلول أكثر إنسانية من حيث المقياس. إلا أن الحجة كانت دائماً ما تدور حول الجدوى الاقتصادية من الأرض، وبالتالي إمكانية تسييل وحدات سكنية منخفضة السعر. وفيما يلي أبرز الدروس المستفادة من هذه التجربة التنموية: (1) الحفاظ على ريادة البلدية والسلطة المحلية في تشغيل المشاريع هو حل مثالي مقارنة بتقسيم السلطات بشكل رأسي ضمن أجهزة الدولة. (2) وضع ترتيبات مؤسسية لدعم التعاون والشراكات بين القطاعين العام والخاص، وإنشاء شركة خاصة قائمة على تطوير المشروع يعد من الحلول المرنة التي مكنت دخول القطاع الخاص بشكل آمن بعيد عن البيروقراطية في تنفيذ مشاريع التطوير. (3) المشاركة المجتمعية المستمرة. وينبغي أن تكون المشاركة جزء دائم من عمليات تجديد المدن، ليس فقط أثناء مرحلة التصميم، ولكن أيضاً أثناء تنفيذ المشروع. (4) التسويق الفعال لمشاريع المدن.

 

حيدر آباد:

نظرة عامة على خطوات التنمية

لعل الاستيعاب الكبير لعدد من الثقافات، والحضور القوي لمؤسسات البحث والتطوير من الدرجة الأولى، وقطاع تكنولوجيا المعلومات سريع النمو والتوسع في مركز التعليم، كل ذلك يجعل من حيدر آباد مدينة نابضة بالحياة. إلا أن هذا الوجه لم يكن هو الوجه الحقيقي للمدينة، فللمدينة سمعة طويلة حول مشاكلها التنموية، مثل التلوث والأحياء الفقيرة والاختناقات في البنية التحتية، التي ساهمت وعطلت عجلة التنمية في المدينة النابضة للظهور كمدينة عالمية حقيقية. في هذا العدد سنلقي الضوء على أبرز هذه الخطوات التنموية. وعلى الرغم من نبالة هذه الرؤية والسعي نحو تحقيقها، إلا أن المدينة وباعتراف القائمين عليها تعاني من عدد من العقبات التي تكاد تقف أمام هذا التحول التنموي الكبير. فعلى سبيل المثال، تعد قضية النقل العام أحد أهم المحاور الأساسية التي تستند عليها الرؤية على أرض الواقع، فمن (8) ملايين رحلة بمحركات في المدينة، تعتبر حصة النقل العام منخفضة (44%) في الوقت الحالي، وهناك أكثر من (3) ملايين سيارة، ويتم إضافة حوالي ربع مليون سيارة كل عام، مما يتسبب في اختناقات مرورية متكررة ويترك المدينة ملوثة. ويشير الخبراء في هذا المجال إلى أن النسبة المطلوبة لحصة النقل العام يجب أن لا تقل عن (70%) لجعلها مدينة مثالية بحسب الرؤية. ولذلك يشكك البعض في واقعية الرؤية على أرض الواقع في ظل السياسات الحالية.

ولا يختلف الأمر بالنسبة لنمو العقارات، ففي ظل سياسات المضاربة الذي ينتهجها القطاع الخاص في المنطقة ككل والمدينة تحديداً، قد يصعب في هذا الإطار تحقيق العديد من الأهداف التنموية، خصوصاً أن مسألة الجدوى قد تكون مربكة بالنسبة لذوي الدخل المحدود أو من هم تحت مستوى الفقر. إضافة إلى أن الرؤية لم تتعرض بشكل كبير لحل قضية الإسكان من جانب اقتصادي، واكتفت بوضع حلول عمرانية فقط، وهو ما قد يعتبر عائقاً للتنفيذ في المستقبل.

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر