تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

جدلية الإصالة المعمارية: بين ما كان وما كائن

November 12, 2018

 

تتعدد صور التعبير عن الهوية المعمارية ومحاولة إيجاد استمرارية تاريخية بين عمارة الأمس وعمارة اليوم. يتمثل الأسلوب الأكثر انتشاراً اليوم في تطوير التراث. غالباً ما ارتبطت الهوية كمفهوم وفي ظل الممارسة العملية السائدة اليوم بالشكل وأصبحت كمنهج تعني إلصاق بعض العناصر التقليدية بالمباني الحديثة أو نقل مبان تقليدية بكاملها لتواكب استخدامات جديدة وبمواد بناء جديدة كلية لتحقيق إحساس بالانتماء المزدوج. غالباً ما تم إنجازه هو الإشارة إلى الماضي عبر هذه العناصر والأشكال موضع التسجيل. هنا الذاكرة فقط والحنين إلى الماضي هي التي تعمل عمل الهوية. أما الجوانب العديدة الأخرى وثيقة الصلة بالبناء فإنها لا تلقى الاهتمام الكافي. يأتي الفراغ -جوهر العمارة- في مقدمة عناصر التصميم التي كثيراً ما تم إهمالها عند التطرق لمفهوم الهوية.

إن عدم الاهتمام بالفراغ الداخلي في التأكيد على الهوية المعمارية أمر جدير بالمناقشة. ويبدو أن لذلك علاقة مباشرة بمفهوم الشكل والفراغ والعلاقة المتلازمة بينهما في عمارة المجتمعات العربية، حيث يولي الناس والمعماريون كذلك الشكل الخارجي أكثر من اهتمامهم بالفراغ الداخلي. هذا لا يعني إهمال الداخل ولكن نادراً ما يتم التعامل مع الفراغ كعنصر فاعل يحدّد بدرجة كبيرة، ليس شكل البناء وهويته فقط، ولكن سلوك الإنسان وارتياحه أو عدم ارتياحه من عمارته. ولعل تهدم واندثار الكثير من العمائر التي قد تشكل فراغاتها مصدراً للهوية إما بسبب تقادم العهد أو بسبب الحروب أو لأسباب أخرى لم تتح الفرصة للتعرف على كيفية عمارة الفراغات الداخلية في هذه العمائر. وما يعانيه الفراغ من إهمال تعانيه أيضاً أنظمة التهوية والإضاءة وكذلك سلوك الناس الحركي والنفسي تجاه عمائرهم. وبطبيعة الحال عندما يتم التغاضي عن هذه المكونات التي لعبت دوراً حاسماً في تكوين العمارة التقليدية فلن تكون النتائج مشجعة بالقدر المأمول بالرغم من جدية هذا الطرح. وقد أدرك كثير من المعماريين قصور ذلك المنهج وبدأوا في اتباع أساليب أخرى في الإشارة أما إلى هوية أصيلة بطرق جديدة أو باتباع هوية حديثة كلية هي الآن في تطور مستمر.

أما الأسلوب الأخر فيستند إلى مبدأ أن كل هوية معمارية أتت كنتيجة للتقنية المتبعة في بنائها. وإذا ما عرفنا أن التقنيات المستخدمة في البناء اليوم هي تقنيات حديثة وما بعد حديثة فإن الهوية الناتجة عنها ستكون بالضرورة حديثة. ولأن هذه المواد هي مواد وافدة فإن العمارة الناتجة عنها ستكون بالضرورة كذلك. وبالرغم من أن هذه العمارة تفتقر إلى عنصر الذاكرة والحنين الذي يختزنه التراث إلا أنه بالإمكان القول أن هذه العمارة ذات انتماء محلي ما دامت قادرة على الاستجابة للمعطيات الجغرافية والثقافية للمكان وأصحابه مع ما يعنيه كل ذلك من تفاصيل. وبمرور الوقت ستنشأ علاقة حميمة بين الإنسان وعمارته الحديثة تلك وستصبح بمرور الوقت وتكيفها مع الواقع عمارة محلية. فالهوية وخصوصاً في عصر ثورة الاتصالات والإنتاج بالجملة ناهيك عن عصر الصناعة وما بعده هي في طور التشكل والتجديد، وربما يأتي اليوم الذي يصبح فيه الحديث عن الهوية ليس فقط المعمارية بل الهوية عموماً حديثاً غير ذي معنى.

وفي خضم التنافر بين الوافد والمحلي ربما كان هناك أسلوب ثالث يوفق ما بين الأسلوبين في تطوير التراث أو توطين الحداثة آلا وهو التجريد. أن تجريد العمارة المحلية بكل ما تحويه من مفردات إلى كتل وعناصر وأشكال جمالية وفراغات باستخدام المواد الحديثة سيعمل على ردم الهوة بين التقليدي والحديث. كما أن الطابع التجريدي أصلاً للعمارة المحلية سيسهل من هذه المهمة ويجعل من التجريد كأسلوب استمرارية تاريخية وعضوية لتاريخ العمارة. ولنا في الأعمال المحلية في بعض الدول العربية التي نالت اعترافاً دولياً خير مثال على ذلك. تبقى كيفية التجريد هذه وآلياتها عملية فردية بحتة تختلف من شخص لآخر وفي ذلك مدعاة لتعدد الحلول الباحثة عن الهوية ضمن هذا الأسلوب.

يدرك المتمعن في تاريخ العمارة أن الانتقال من مرحلة إلى أخرى يستلزم المرور بمرحلة انتقالية تجمع بين خصائص المرحلة السابقة واللاحقة يتم فيها الانتقال التدريجي للعمارة بين المرحلتين. ومن الصعب فهم العمارة الحديثة بشتى مدارسها من دون فهم تاريخ الحركات الفنية الحديثة التي واكبت تطورها. من هذه الحركات تبدو الحركة التجريدية بكامل اتجاهاتها عاملاً مهماً في نشوء وارتقاء العمارة الحديثة. لقد عمل التجريد كجسر لعبور العمارة من طورها النهضوي والكلاسيكي بكافة أشكاله إلى عمارة حديثة اختفت فيها الخطوط المنحنية لتحل محلها الخطوط المستقيمة، وأفسحت العقود والأقواس المجال جانباً لعناصر إنشائية جديدة قوامها الحديد والخرسانة، واختفت المنمنمات لتحل محلها عناصر وأسطح ملساء مجردة من كل زخرف، واخترعت مقابل ذلك لغة جديدة بالعمارة لوصف هذه التطورات أصبحت معها كلمات مثل "الطراز و"الديكور" غريبة في القاموس الجديد للعمارة الحديثة.

بطبيعة الحال فإن تحولات على هذا المستوى من الإدراك ستبقى معزولة ومحدودة التأثير إذا ما تم عزل العمارة عن شقيقاتها من الفنون الأخرى كالحركة التشكيلية والتي ربما تكون قد تجاوزت بكثير شقيقتها الكبرى العمارة في تجاوبها مع أشكال الهوية. كما أن الخط العربي وفنون السجاد والحياكة والمسكوكات المعدنية هي مصادر من شأنها أن ترفد تيار الهوية إذا ما تم وصلها بالعمارة. أن بتر العمارة عن منظومة الفنون هذه وتغليب النظرة التقنية البحتة عليها قد ساهم في صعوبة الخروج بهوية أصيلة، كما صعّب من مهمة إيجاد حلول للهوية المفقودة. وعلى كل حال ومهما كان حال العمارة في الدول العربية اليوم وسواء كان تطوير التراث أم توطين الحداثة والتوفيق بينهما هو الأسلوب الأفضل فإن هوية العمارة ليست ولم تكن هماً عربياً فقط.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر