تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

المدن الصحية

 

عندما نقرأ هذا العنوان يتبادر إلى أذهاننا مباشرة المدن الطبية (المستشفيات) .

في الواقع أننا هنا لا نقصد المستشفيات بقدر ما نقصد المدن التي لها كل المواصفات التي تجعل منها مدينة صحية .

الصحة في المدينة تكون في الجسد عن طريق المشي والحركة والانتقال من مكان إلى آخر ، وتكون أيضاً في النفس عن طريق اللقاءات المادية الاجتماعية بشكل شبه يومي مع الأصدقاء ، وتكون أيضاً في النفسية وذلك عن طريق توفير التشجير المناسب واستغلال أشعة الشمس . ولكن هل بالفعل مدننا صحية ؟

لو قمنا بالمقارنة مع الغرب ، وتحديداً في أوروبا نجد أن التخطيط والتصميم للمدن بدأ بالاهتمام في الإنسان وأنشطته قبل أن يبدأ في المركبات. فتم توفير النقل العام ، ومسارات للدراجات البخارية والهوائية وحتى المعاقين كان لهم نصيب من الرعاية والاهتمام. فقد كان التخطيط بشكل وظيفي يهدف إلى إيصال المستخدم من مكان إلى آخر بسهولة ووضوح، وأيضاً كان بشكل عضوي يهدف إلى زيادة المتعة وإزالة الملل بالنسبة للمستخدم وهو يقضي حاجاته اليومية .

وكذلك توفير كل ما يساعد على الحركة من مظلات ورصيف للمشاة وتقليل لعروض الشوارع وغيرها. وكذلك وجود ساحات في المدينة والتي لها دور كبير في إضفاء العلاقات الاجتماعية وقضاء أوقات سعيدة بصحبة الأهل والأصدقاء، والتعرف على مظاهر وثقافة المدينة من خلال هذه الساحات. وأيضاً خلق مسطحات خضراء تهدف إلى تحقيق الاستدامة في داخل المدينة، كالتخفيف من الضوضاء وأخذ ثاني أكسيد الكربون وإنتاج الأوكسجين والوقاية من أشعة الشمس المباشرة، وكذلك من نواحي جمالية عن طريق التشجير الذي قد يكون للدلالة على وجود مكان ما، أو للجلوس والتأمل.

ومن هنا تأتي رغبة الساكن لتلك المدينة بقضاء حاجاته اليومية وهو يمارس رياضة المشي وبالتالي تحقيق أهداف المشي الصحية من تخفيف الوزن وتحسين وظائف المخ والوقاية من السمنة وغيرها.

بينما لو نظرنا إلى مدننا العربية، نجد أن التخطيط بدأ باحترام المركبات ولم يعيروا الإنسان وأنشطته نفس الأهمية، فظهرت لنا الشوارع العريضة والتقاطعات الكبيرة والجسور والكباري والأنفاق المبالغ فيها،  ناهيك عن القيمة الاقتصادية الكبيرة التي تمت خسارتها في إنشاء البنية التحتية لمثل هذه المشاريع. وأيضاً عن الضرر الكبير الذي لحق بنا من تلوث واختناقات مرورية وضوضاء عالية تؤثر حتى على نفسية الساكن. وبالتالي زاد الاعتماد على المركبات في عملية الانتقال من مكان إلى آخر، وقل الاهتمام بالمشي لعدم وجود ما يشجع على ذلك، الأمر الذي يؤدي إلى فقدان واحده من العادات التي يجب على الإنسان أن يقوم بها بشكل يومي، وظهور الأعراض بعد ذلك من أمراض كالسمنة والسكري وزيادة التوتر والضغط وغيرها. فأرصفة المشاة تكاد تكون معدومة لدينا فلا يتوفر بها الخدمات المطلوبة من صرافات وأماكن لانتظار النقل العام أو كراسي الجلوس والإنارات أو التشجير والمقاهي. والساحات لدينا أيضاً تكاد أن تكون معدومة، وإن وجدت فهي محاطة بطرق سريعة ولا يوجد لها مواقف تكفي ولا وصولية سلسلة لسكان الأحياء المجاورة عن طريق المشي، ولا يوجد بها أنشطة وبالليل تكون مظلمة وموحشة، ولا تحتوي حتى على عناصر وسطية لتكون نقطة جذب قوية للسكان، والتعبير عن ثقافة المجتمع الذي يعيش داخلها. وبالتالي أصحبت ثقافة المشي والتي تعتبر من الثقافات العالمية مفقودة بالنسبة لدينا، فأصبحنا نستنكر على من يقوم بالمشي سواء لقضاء حاجاته أو لممارسة هذه الرياضة، معللين بذلك وجود المركبات وتوفر الطرق المناسبة لها، ونسينا أن نطالب بممرات وساحات وميادين للمشاة، وأن ننشر بين أنفسنا ثقافة المشي وفوائده العظيمة، خصوصًا في ظل هذا التمدن العمراني الهائل.

 

ومضة:

يقول برنارد شو ( لم أمارس من الرياضة سوى رياضة المشي على قدمي في جنازات أصدقائي الذين كانوا يمارسون الرياضة ) .

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر