تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

أثر الإحساس بالعمارة (2)

 

تعتبر حاسة السمع أحد أهم الحواس لإدراك وفهم محيط المستخدم، ولا تقلّ أهميّة عن الرؤية، وقد أقرّت الدراسات بوجود تأثير فسيولوجي وسايكولوجي للضوضاء على الإنسان بشكل واضح، وتوصّلت إلى أن بعض الأصوات يمكنها جعل الناس أكثر تفاعلًا عاطفيًا، لوجود علاقة تربط بين الضوضاء والهرمونات الخاصّة بالعواطف والحالة النفسية. وكنتيجة لذلك، فقد تسهم الضوضاء بنشوء بعض الأمراض، لأنه وبطريقة ما يمكن الاستجابة للمبنى من خلال تلك الأصوات (صوت الأبواب، حركة الهواء داخل قنوات التكييف، الأصوات الناتجة من تفاعل الأشخاص مع المواد المستخدمة في الأرضيات من خلال المشي في الفراغ وسماع تلك الأصوات، الهدوء...وغيرها)، في المقابل يمكن التفاعل مع العمارة من خلال الإحساس بالسكون كما يحدث في البانثيون (Pantheon)، ويكون ذلك بالدخول لمعبد كبير بارتفاع (43.3م) مغطى بقبة قطرها (43.3م)، تحتوي فتحة واحدة في السقف تملأ الفراغ بالإضاءة الطبيعية، ويعمّ الصمت والهدوء بالمكان، ذلك السكون والشعور بالرهبة في الواقع يعزز إحساس المستخدم بالاتّصالية، والروحانية من جهة أخرى، هكذا يكون الإحساس بالعمارة حتى في حضرة صمتها، في الواقع هكذا تتناغم العمارة مع مستخدميها، فالسكون يتناسب مع العبادة قطعاً، كيف كان سيكون الانطباع الحسي للمعبد إذا لم يكن ارتفاع السقف بارتفاع عالي؟ أولم تكن هناك إضاءة طبيعية من مصدر واحد فقط؟ أو إذا كان الخشب أو الرخام هو مادة التشطيب الداخلي؟ هنا يتأكد لنا مدى تكامل وتوافق الحواسّ لإضافة تجربة للمستخدم.

يعزز اللمس من عمل الحواس الأخرى كحاسّة النظر، وذلك من خلال الاستشعار والتأكيد وتطابق مواصفات الشكل أو المادّة عند لمسها، ويعدّ اختيار المواد المستخدمة واحدة من أكثر المسائل المرتبطة بحاسّة اللمس في العمارة، فضلاً عن التكوين المعماري الفراغي والخارجي الذي ستستخدم به تلك المادّة، كل مادة لها ملمس مختلف، وبالتالي تأثير وانطباع مختلف، فيمكن الإحساس بمواد المبنى من خلال التأثير البصري، ولكن نشعر بمزيد من مكونات بنائها ومواصفاتها باللمس، لاستشعار الصلابة، العمق، درجة الحرارة، ومن الممكن أيضاً أن تختلف المكونات السابقة في المواد التي تعطي الانطباع المرئي ذاته!. تحدّث راي أندرسون (مدير شركة لصناعات الأثاث) عن الأفكار المعززة من نشاط الفراغ والإحساس به من خلال مواد الأثاث، كالمواد المختلفة المستخدمة في الطاولات والشعور المرتبط بذلك: "منضديه الخشب تعطي الدفء للغرفة، فتحات الطاولة الزجاجية تجعل الغرفة تبدو أكبر، تعطي طاولات من الرخام أو الحجر شعورًا بالكمال والجودة".

على الرغم من أن حاسة الشمّ لا تعتبر من أكبر الحواس إحداثاً للفوارق للتجربة المكانية بنظر العديد، إلّا أنها مؤثّرة في بدايات الاتصال بين الإنسان والفراغ، هذه الحاسّة أكثر تطوراً من الحواسّ الأخرى، إذ يمكن من خلال الرائحة ربط الأحداث والتجارب المكانيّة في ذاكرة الإنسان، وبالتالي لكل رائحة صفات وتركيبة مختلفة يمكن ربطها بالفراغات المعمارية، لتضيف لها خصائص مختلفة تميزها عن جميع الأماكن الأخرى، وبما أنه من غير الممكن تسمية جميع الروائح المختلفة وتعيينها، فإن الصفات المكانية المرتبطة بالأحداث يمكنها ذلك، على سبيل المثال، كثير ما نعبّر: "إنها رائحة مستشفى" إذ ارتبطت رائحة الممرات الطبية والمركبات الكيميائية للأدوية وغيرها بالمستشفى كفراغ، وبات ذلك مألوفاً لمعظم الناس، ويمكن أيضاً تمييز رائحة معرض السيارات عن المكتبة، ويمكن تمييز رائحة منزلك من بين بقية المنازل.

الذوق ..طعم العمارة! العمارة قادرة على تحفيز الشعور بالذوق بالفعل، ولكن بالتأثّر من خلال الرؤية أو الشم، حيث أنه يمكن للسان أن يتأثر برؤية سطح حجري مصقول كمثال، الأمر الذي يلامس شعور اللسان في الخلفية الحسّية وهو يستشعر مدى خشونته أو درجة حرارته، فالطعم هنا لا يعني حرفياً محاولة أكل الطوب أو تذوّق الخشب، ولكن ذلك يعني أنه يمكن أن تستشعر حاسة الذوق مواصفات تلك المادّة. وفي المقابل، هناك تذوّق آخر، وهو القدرة على ملاحظة العناصر والفراغات المعمارية، ومن ثم تقييمها والحكم عليها بناء على الخلفية العملية والعلمية، فيقال: فلان يمتلك ذائقة فنيّة!، أي يمتلك المعرفة، الكفاءة، والقدرة على الاختيار واتّخاذ القرار الصحيح إلى حدّ معين، من خلال خبرته العلمية والعملية في الفن، مع القدرة على التكهّن برأي الجمهور أو المستخدمين ومدى إقبالهم على ما سيفعله.

ينبغي إثراء الإحساس بالعمارة وتفاصيلها، وتحليل تلك المفردات المعمارية واستقراءها. فهناك ما هو محفّز للعواطف، موجّه لحركة المستخدم، والمؤثر سايكولوجياً وفسيولوجياً عليه، يقول (Juhani Pallasmaa) :"العمارة هي فن المصالحة بيننا وبين العالم، وهذه الوساطة تتم من خلال الحواس". يتوجّه عندما يتعلّق الأمر بالعمارة، لا يمكن الفصل بين الحواس وتمييز خصائص أحدها عن الآخر بشكل تامّ للإحساس بالعمارة، فغالبية ما نعيشه يصل إلينا نتيجة تكامل الحواسّ المختلفة مع بعضها البعض، ولكن يمكننا القول بأن الحواس تتعامل بشكل نسبي مع كل حالة، عنصر، أو تجربة مختلفة، فمن الواجب علينا ألّا تقتصر عمارتنا على الوظيفة والجمال دون التفكير بإحساس المستخدم أو أخذه بالاعتبار، بل يجب إثراء الجانب الحسّي المختلف والمتعدد الأوجه للعمارة والمستخدم من خلال اتصاليّتها بالمستخدم بمختلف النقاط الحسيّة، يجب أن يسأل المعماري نفسه دائماً أثناء التصميم. كيف سيشعر الناس داخل المبنى؟ هل هذا هو الإحساس المطلوب أم لا؟!.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر