تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

موقف الحافلات

 

لا زلت أذكر -وأنا في الابتدائية- عندما كنا نقف في موقف الحافلات، والذي كان عبارة عن دكة للصرف الصحي ودرج لمدخل أحد المساكن، كنا نجتمع ما لا يقل عن عشرين من أبناء "الفريج"، كان الطلبة في جانب وبعد عشرين متراً موقف آخر للطالبات، وكان يقف إلى جانبنا أحد كبار السن بلا تكليف من أحد، لكنه يتبرع بالوقوف لأن أحد أبنائه معنا، ولا زلت أتذكر جيداً أنه في أيام الأمطار عندما تغطي المياه السكك الضيقة، أنه –رحمه الله- يحملنا على كتفه حتى لا نبتل بالماء وهو يخوض فيه، أنه الجار العاشر وليس الأول أو الثاني من بيتنا الصغير، ولا زلت أذكر أنه هو أول من توفي -بذاكرتي طبعاً- في الحي السكني "الفريج" إنه الجار الوفي أحمد الشحي، ولا زالت في ذهني تلك الفكرة أن أطيب الناس تذهب إلى الجنة بسرعة، استطرنا كثيراً في الماضي ولكن بالفعل إن موقف الحافلات هي مدرسة أخرى للتربية، فيها يتعلم الطفل التلاحم المجتمعي، والتراحم بين الجيران، ويتعلم كذلك أن يحترم الصغير الكبير، ويرحم الكبير الصغير، ومن الأمور المهمة تعلم الالتزام بالوقت، فالطالب هو الذي ينتظر الحافلة وليس العكس، وكذلك فيه كسر للتعقيد في العلاقات الاجتماعية المستحدثة، فكل جار يعرف بنات جيرانه، وقد يزرع الله المحبة بينهم، وإن لم يكن كذلك فهن أخواته يسعى لحفظهن كما يحافظ على أسرته الصغيرة.

يعلم الجميع أنه لا يمكن أن يصل جميع الطلبة لمدارسهم مشياً على الأقدام، وكذلك من الصعوبة بمكان قيادة دراجاتهم الهوائية إلى المدارس، وعليه فإن استخدام الحافلات المدرسية ضرورة ولكن، الوضع الحالي هو أن يقف الباص أمام كل مسكن لتحميل الطلبة والطالبات، وبعض الأحيان يدخل بعض المساكن إذا كانت الحافلة صغيرة، فهل هذا الوضع مثالي لتوصيل الطلبة؟ وهل الأمن والأمان لا يتحقق إلا بهذه الطريقة؟ وهل الخصوصية المفتعلة في مجتمعاتنا تتطلب أن يكون الجار لا يعرف كم عدد أبناء وبنات جيرانه؟ والسؤال الأهم هو هل الوقوف المتكرر أمام كل مسكن يوفر الأمن للأطفال من الحوادث؟ للإجابة على العديد من الأسئلة حول الطريقة المثلى لذهاب الطلبة إلى مدارسهم، نستعرض فكرة كانت مطبقة في بدايات الاتحاد لطلبة المدارس، وكذلك هو الواقع المعمول به في العالم كله والمرتبط بنقل الحافلات، وهو أن لكل مسافة معينة هناك موقف للحافلات، يكون معداً أعداداً مناسباً بحيث لا تقف الحافلة إلا فيه، وتكون نسبة الأمان في الوقوف فيه أكثر من أي مكان آخر، وعليه لا يمكن القول أن الأمان يتوفر من خلال الوقوف المتكرر للحافلة أمام كل مسكن.

موقف الحافلات مبادرة بدأ برنامج الشيخ زايد للإسكان في تطبيقها في الأحياء السكنية، والهدف منها توفير عدة جوانب اجتماعية وأمنية وبيئية وسلوكية وصحية، فأما الجانب الاجتماعي فإن اجتماع الطلبة في مكان واحد آمن لا تخترقه السيارات يساعد في التواصل بين الجيران، كما أن غياب أحد الطلبة يكون معلوم للجميع وبذلك تتواصل الأسر للسؤال عن المريض وذا الحاجة، إضافة إلى ذلك فإن معرفة الشباب بوجود فتيات في الحي السكني ورؤيتهن ولو في الصغر، وسيلة ناجحة لزيادة حالات الزواج وتقليص للعنوسة والزواج من الخارج، كما أن تكليف أحد كبار السن أو المتقاعدين بالوقوف مع الطلبة وقت ذهابهم للمدرسة صورة مذهلة للتواصل الاجتماعي، وأما جانب الأمن والأمان للطلبة في موقف الحافلات فلا شك أنه أكثر أماناً من الوقوف المتكرر، وذلك لعدة أسباب أهمها أن الوقوف المفاجئ يعد خطراً محدقاً خاصة في الشوارع والطرقات التي لا مكان مخصص للوقوف، إضافة لذلك فإن عبور الطلبة أمام الحافلة وعبور الشوارع في حال أن المسكن في الجهة الثانية، يعد مخاطرة كبيرة ولذلك تم اعتماد لوحة "قف" البارزة من كل حافلة والتي لا تحترم في كثير من الأحيان، بالمقابل فإن موقف الحافلات يوفر كل هذه الوسائل الآمنة في الوقوف والحركة والانتظار، وأما الجانب البيئي فإن حركة الحافلة الكثيرة في الأحياء السكنية، وبما ينبعث منها من أدخنه لا شك أنه يضر بالبيئة، وقد يسبب العديد من الأمراض وغيرها، وأما الجانب السلوكي والصحي فإن أهمية زرع ثقافة الانضباط واحترام الوقت قد تكون أكثر أهمية من التعليم نفسه، وأما ثقافة المشي والحركة والتنقل من وإلى موقف الحافلات فهو يعزز الصحة البدنية للأطفال والكبار.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر