تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

نظام الارتدادات الجديد: تساؤلات معمارية حول مستقبل المسكن السعودي

 

مع صدور نظام تعديل الارتدادات الجديد من وزارة الشئون البلدية والقروية بالمملكة العربية السعودية خلال الشهر الحالي، ظهرت العديد من الأصوات المرحبة بهذه التعديلات التي جاءت متأخرة على حد قول الكثير من المختصين في المجال المعماري والبناء عموماً. هذا النظام والذي طال انتظاره كثيراً ألقى بظلاله على الآمال المتعلقة بتطوير المسكن السعودي منذ سنوات طويلة والخروج من الشكل الصندوقي الذي شكل هوية البيئة السكنية السعودية. في هذا العدد سنحاول توسيع دائرة الرؤية لهذا النظام ونطرح عدد من الأسئلة خارج الصندوق.

 

ملامح التعديل:

أقتصر التعديل لنظام الارتدادات على الوحدات السكنية المستقلة (الفلل) للمخططات السكنية المعتمدة، وذلك بزيادة نسبة البناء من (60%) كما هو في النظام القديم إلى (70%)، وذلك بالسماح بالتوسع أكثر في الارتدادات للدور الأرضي. حيث أوضحت الوزارة هذا النظام من خلال عدد من النماذج التي تم إرفاقها كأمثلة توضيحية. وأبرز ما جاء في هذا التوسع إمكانية الالتصاق بالجار بجهتين من أصل ثلاث جهات، كما أنه تم السماح لاتصال الملحق الخارجي بالمبنى الرئيسي على أن لا يتجاوز مجموعهما نسبة (70%) من مساحة الأرض. كما سمح النظام الجديد بتوظيف الفناء الجانبي في الدور الأرضي، مع إمكانية البروز إلى مسافة (2م) عن حدود السور في الدور العلوي. أما النقطة الأهم فهي إلزام المالك بارتفاع سور لا يتجاوز (3.5م) في الجزء الملاصق، وهو ما يعني ضرورة النظرة في الفراغ الداخلي عند التصميم. كما أشار النظام أيضاً إلى أن الفناء الداخلي يجب أن لا يقل عن (2×2م) بأي حال من الأحوال.

 

تساؤلات عامة:

بشكل عام، يمكن القول بأن التعديلات هي تعديلات إيجابية تصب في صالح المواطن، إلا أن هذا الصالح يقتصر على فئة معينة من النمط السكني وليس على كافة الأنماط السكنية بأنواعها. هذا الاقتصار يدعو إلى التساؤل عن إذا ما كانت الوجهة السكنية المستقبلية في المملكة العربية السعودية تعتمد بشكل كبير على الوحدات السكنية المستقلة (الفلل)؟ فهل نحن فعلاً نحتاج لهذا النوع من الوحدات السكنية؟ في ظل عدد من المعطيات الأخرى والتي تتعلق بالمدينة عموماً، كمحدودية الأراضي وإشكالية تأمين الخدمات للنمو وتكاليف البناء وغيرها. ربما أن الفرصة كانت مواتية أيضاً لتقديم حلول وتعديلات تشمل الأنماط الأخرى كالوحدات السكنية (الشقق) أو المشاريع السكنية (المجمعات).

 

الزيادة أم التقليص:

ربما أيضاً يجدر بنا التساؤل حول الدعوات السابقة نحو تقليص مساحة المسكن السعودي ليتوافق مع المعطيات الأخرى كالتكلفة والاستفادة من المساحات بشكل أمثل. فالتعديلات تضفي مزيد من المساحة على الدور الأرضي، على الرغم من أن هناك العديد من الفراغات التي يجب أن نعيد النظر إليها، كفراغات الاستقبال المستقلة والمخصصة للضيوف فقط. حيث أشارت العديد من الدراسات إلى أن هذه الفراغات تمثل مساحات مهدة في ثقافة المسكن السعودي، وبالتالي كانت التوجهات نحو الاستغناء أو التقليص لهذه المساحات في ظل التغيرات الاجتماعية لمفهوم الزيارات واللقاءات والتي أصبحت تتم في فراغات خارجية.

 

التجاوزات وثقافة الالتزام:

سيكون من الضروري جداً بعد هذه التعديلات النظر في عمليات الإشراف والمراقبة على البناء، ليس أثناء البناء بل وبعده بسنوات كذلك، وهذا يعني تغيير أو تعديل نظامي وإداري يستحدث فرق متابعة للحي بشكل دائم. فمن خلال تاريخ التجاوزات التي كانت تحدث في مثل هذا النوع من المشاريع السكنية، قد يمكن التنبؤ بأن التجاوزات النظامية ستكون بشكل يتناسب مع المساحات الجديدة. ولهذا يجب أن يكون هناك توعية لمثل هذا النوع من البيئة السكنية والتي تعتمد على احترام خطوط التماس بين الملكيات. مع ما يتطلب لذلك من توفير كادر إشرافي يتابع التغيرات ضمن النطاق المحلي للأحياء السكنية لضمان عدم حدوث أي تجاوزات.

 

 

الحي أم المخطط؟

قد يطرح البعض تساؤلات حول أولوية التطوير للبيئة السكنية، فهل تقتصر على الوحدة أو الأرض فقط؟ أم يجدر النظر أولاً إلى المخطط ككل؟ فالمخطط السكني لدينا يحتاج إلى الكثير من الإجراءات التعديلية والتي يمكن لها أن تحسن من جودة البيئة السكنية دون الاتجاه مباشرة نحو زيادة المساحة كحل. فهناك معايير أخرى ذات أهمية في البيئة السكنية وتفتقد لها مخططات أحيائنا السكنية اليوم، يأتي على رأسها جودة الفراغ الخارجي وزيادة المسطحات الخضراء وإعادة النظر في نطاق الخدمات وكيفية الوصول. كل هذه المتطلبات تعد ضرورية لتحسين مستوى البيئة السكنية قبل الدخول إلى حيز الوحدة السكنية بشكل مباشر.

 

نحتاج لوقت أطول:

على الرغم من المباركات السريعة لهذه الأنظمة، إلا أن الحكم بنجاح أو فشل هذه التعديلات سيكون مرهون بالزمن، كما هو الحال في الحلول العمرانية عموماً. حتى التساؤلات التي طرحناها أعلاه لا تعدو أن تكون سوى تساؤلات عامة عن غيابها ضمن فرصة التطوير التي طرحتها الوزارة مشكورة. ولا يعني ذلك سوء التعديل، على الإطلاق. وإنما هو من باب أن يكون التغيير شاملاً، وأن ننظر إلى الحلول بوصفها مستدامة. لا أن نقوم بخطوة اليوم ثم نكتشف أننا لم نحسب حساب عدد من الخطوات التي كان يجدر بنا أخذها في عين الاعتبار. ومع ذلك لا يزال كل ذلك مرهون بالواقع والممارسة على الأرض، ومن ثم دراسة الحلول والأخطاء وبناء التجارب ليتم تعديل هذه الأنظمة ربما بعد الخمسين سنة القادمة!

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد التاسع للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر