تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

مستقبل الشكل المعماري: هل يمكن أن يتغير وجه العمارة مستقبلاً؟

 

قد يتفق الجميع على أن المباني يجب أن تستوعب أنشطة محددة، وتوفر الفراغ اللازم لذلك، وتضمن مستويات معقولة من الراحة والأمان. لكن العمارة كنشاط، يجب أن تفي بالاحتياجات النفسية والاجتماعية والرمزية داخل الأحياء والمدن، حيث تلعب المباني (المنتج المعماري) دورًا في صناعة المشهد الحضري. هذا الدور يتجاوز حدود الوظيفة والأنشطة التي تحدث داخل المباني على اختلافها. من هذا المنطلق تظهر لنا العديد من القضايا والإشكاليات حول مدى أهمية الشكل المعماري. في هذا العدد سنحاول تسليط الضوء على هذه القضية المهمة.

 

تطور الشكل المعماري

تاريخياً، وقبل أن تصاغ عبارة (الشكل يتبع الوظيفة) كانت العمارة في الحقبات القديمة قائمة على هذا المفهوم، حيث تحدد الوظيفة الشكل المعماري، ولذلك نحن نستطيع الحكم بصرياً على تلك المباني إن كانت حصون أو معابد أو قصور أو أسواق أو حتى منازل. بل أن تلك المباني ساهمت في أن نتعرف وبشكل كبير على كيفية نمط حياة تلك المجتمعات وتعاطيها مع العوامل من حولها. كل ذلك، كان بسبب أن في كل حقبة، تم تصميم وبناء المباني التي تعتمد على التقنيات القائمة والموارد المتاحة والمناخ وظروف الموقع.في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، شرع بعض المعماريين في السعي بقوة إلى اتباع نهج خاص بهم واكتشفوا فكرة أن الوظيفة يمكن أن تتبع النموذج. تحديًا وتهديدًا للمعايير المعمارية المعمول بها، واجه المدافعون عن النموذج من أجل الشكل معارضة بشكل طبيعي.

في القرن العشرين، تكثفت المناقشات الشكلية والمناقشات الوظيفية مع تبني المصممين لتصريحات جديدة. على سبيل المثال، وضع المعماريون الطراز العالمي، وهي حركة تنتج مربعات زجاجية ومعدنية وصناعية مبنية بالحد الأدنى، أثبتت أنها غير محبوبة للكثيرين. ثم عاد المعماريين إلى ما يعرف بـ(ما بعد الحداثة) في محاولة للخروج من المأزق الحداثي وربط العمارة أكثر بمفاهيم واعتبارات أخرى ذات دلالات اجتماعية وثقافية ورمزية.

اليوم، يقوم بعض المعماريين الأكثر ابتكاراً بتصميم مبان استفزازية غير تقليدية الشكل، تكشف عن القليل في أجنداتهم الوظيفية الداخلية. فعلى سبيل المثال، تحظى أعمال (فرانك جيري) بالإعجاب جزئياً بسبب مظهرها الخارجي، حيث لا يرتبط هذا الأسلوب بالقاعدة الشهيرة (الشكل يتبع الوظيفة)، حيث لا يمكنك الحكم على المبنى من الخارج إن كان سكنياً، أو إدارياً أو متحف أو حتى مدرسة. والسبب في ذلك أن الشكل الخارجي لا يعلن بوضوح عن الوظيفة. ولا يعني ذلك أن تلك المباني ليست محلولة من حيث الوظيفة والمتطلبات للفراغ الداخلي، قطعاً لا. لكنها نموذج للتحول في مفهوم تطور الشكل المعماري في مسار موازي للوظيفة وليس مرتبط أو تابع لها.

هذا التحول يجعلنا نقول بأنه لم يعد المعماريون ملزمون بالخطوط المستقيمة والأحجام الهندسية، كما أشارت زها حديد (رحمها الله) في عبارة شهيرة لها (هناك (360) درجة، فلماذا التمسك بواحدة)، هذه الجرأة في الخروج من القالب، كانت بفضل التطور في التكنولوجيا، ومواد البناء الحديثة والتقنيات. أصبح من الممكن أن نصمم ونصع الأشكال مادامت تستند لقوانين الفيزياء، إلا أن العامل الأهم في ذلك، هو وجود العميل الذي يرغب في دفع فاتورة هذا التحول. لعل هذا هو السبب (نقصد التكلفة) الوحيد في عدم انتشار العمارة التفكيكية أو ما شابهها من اتجاهات بشكل شائع وكبير، فلا تزال الجدوى الاقتصادية عامل مهم في صناعة الشكل المعماري. ولذلك يمكن تحديد عوامل رئيسية ساهمت ولاتزال في تطور الشكل المعماري خارج نطاق الوظيفة للمبنى. هذه العوامل يمكن تناولها على النحو التالي:

 

أولاً: العامل التقني:

لعب العامل التقني الدور الأول في تطور العمارة، فمن خلال تطور تكنولوجيا الإنشاء ومواد البناء، تمكن المعماريين على مدى القرون الماضية من تطوير الشكل المعماري إلى أفاق ومستويات مختلفة، لم يكن بالإمكان الوصول إليها بالنمط القديم أو المواد التقليدية. إلا أن عملية التقنية لا تقتصر على مفهوم الإنشاء وحسب، بل حتى عمليات الإنتاج الكمي والتي ساهمت في تسريع عمليات التحول والبناء، كما هو المشاهد مثلاً في المشاريع الكبرى أو التي يتم تنفيذها في وقت قياسي، هذا العامل ساهم أيضاً في ظهور اتجاهات وحركات معمارية تنادي لفرض هذه المنهجية على العمارة وبمقاييس ضخمة يتم تنفيذها وفق عمليات الإنتاج السريع.

 

ثانياً: العامل الاقتصادي:

ويمثل هذا العامل (التكلفة) في تنفيذ العمل المعماري، والذي يعد أكبر محدد للخيال المعماري في تنفيذ أفكاره وخيالاته على أرض الواقع، لهذا السبب كانت التكلفة دائماً عاملاً مهم في تحديد الشكل المعماري إلى جانب الوظيفة، بل أحياناً تفرض هيمنتها حتى الوظيفة والمساحات المطلوبة لفراغاتها. وعلى الرغم من تبني هذا العامل من قبل الكثير من المعماريين والمهندسين والاقتصاديين، إلا أن العمارة تمكنت في كثير من الأحيان من تجاوز التكلفة لتحقيق شكل معماري فريد ومتميز. هذا العامل يأتي ضمن سياقات مختلفة كاقتصاديات البناء أو حتى ما يعرف بالهندسة القيمية، والتي تتبنى عدد من الحلول والأفكار التي يمكن تطبيقها لتقليل التكلفة ورفع مستوى الكفاءة حتى نقطة التوازن. ومع أن هذا المفهوم يعد ضرورياً للعمل من خلاله من قبل المعماري، إلا أنه كما أشرنا سابقاً، قد يفضل المعماري الخروج عن هذا المفهوم لتحقيق دلالات أخرى تتجاوز الوظيفة أو حتى التكلفة. فلو أننا قمنا بحذف الأقواس والبروزات والزخارف من أي مبنى، لوجدنا أنها لا زالت تحقق الوظيفة بالشكل المرضي من حيث الفراغ، إلا أن تفتقد القدرة على تلبية الاحتياجات الأخرى. ولهذا يجب أخذ التكلفة في عين الاعتبار دون الأضرار بالعوامل أو الاحتياجات التي لا تتعلق بالوظيفة، في سبيل إيجاد عمارة ذات وزن حقيقي.

 

ثالثا: العامل البيئي:

تشكل القضايا البيئية اليوم عاملاً مهماً في تشكيل الشكل المعماري، فمع التوجهات نحو الاستدامة وحفظ الطاقة والعمارة الخضراء، نجد أن الشكل المعماري قد تغير بشكل يستجيب لهذه العوامل البيئية حتى وإن كان يتعارض في بعض الأحيان مع الوظيفة. فقضية البيئة والمرتبطة بالمجال العمراني، تتهم الكثير من الممارسات السابقة في الأضرار بالبيئة، ولذلك يلعب هذا العامل دور كبير جداً في تقنين الأفكار السابقة سواء من حيث الشكل أو حتى الوظيفة. وبشكل عام، يمكن القول أن الاستجابة المعمارية لهذا التوجه آخذه في الصعود منذ السنوات الماضية، ومتوقع أن تغير بشكل كبير وجه العمارة في المستقبل، خصوصاً أن هذه القضية ترتبط بمستقبل البشرية وليس عمارتهم فحسب. الأمر الذي يجعلها تفوق العوامل الأخرى من خلال المقارنة، كأن يتم المفاضلة بين الحفاظ على البيئة أو الشكل المعماري الجميل أو التقنية الحديثة..إلخ. ولذلك فإن عملية التوازن عادة ما تصب في مصلحة البيئة في القرارات المفصلية.

 

رابعاً: عوامل رمزيه:

تندرج العديد من التفاصيل الثانوية تحت هذا العامل، فقد ترتبط بالمدلولات الثقافية والسياسية للمكان أو ما يمكن التعبير عنه أحياناً بالهوية، وقد تكون تجسيد لنوع من التاريخ أو التراث بشكل انتقائي، وهناك مساحة واسعة من تطبيقات الرمزية التي يمكن أن تشير إلى مدلولات دينية أو طائفية، كما هو الحاصل في العمارة الدينية على سبيل المثال واختلافاتها البسيطة. ويعد هذا العامل خياري، بمعنى أن تحقيقه يتطلب وجود الرغبة في ذلك قبل البدء بعملية التصميم. وفي الغالب ترتبط الوظيفة بهذا العامل بشكل كبير، بمعنى أن الهدف قد يكون أحياناً تجسيد شكل معماري ذات دلاله معينة، حيث تأتي الوظيفة في شكل ثانوي من حيث القرار وليس من حيث المطلب، وينطبق الأمر كذلك على التكلفة والتقنية، بل وحتى العامل البيئي. هذه المشاريع عادة ما يقصد بها إيجاد أيقونات معمارية مميزة بغض النظرة عن الكفاءة والجودة للفراغ المعماري وظيفياً. وهناك العديد من الأمثلة المشاهدة على ذلك.

 

خامساً: عوامل معمارية:

يرتبط هذا العامل بالأفكار والرؤى المسبقة للمعماري نفسه كصانع للعمل المعماري، هذا العامل ساهم في تطور الشكل المعماري بشكل كبير خلال القرون الماضية. حيث كان يلعب المعماري دور كبير في الخروج من النمط أو استحداث توجه جديد. وعلى الرغم من أن هذا العامل يعتبر (شخصي) ونسبي بنفس الوقت، حيث يختلف من معماري إلى آخر، إلا أنه من أكثر العوامل انتشاراً وإمكانية للتطبيق، والسبب في ذلك يعود إلى رغبة المعماري في تجسيد عمل يتوافق مع رؤيته الفنية أو المعمارية. هذه الرؤية قد تختلف أحياناً في دوافعها، فبعض المعماريين قد يكونوا ذات ميول تقني، والبعض الآخر قد يكونوا ذا ميول بيئي أو رمزي، وهناك من يهتم بمسألة البساطة والتكاليف. ولهذا نرى أنواع ونتاج معماري كبير ومختلف حول العالم وفق الظروف المختلفة.

 

 

 مستقبل الشكل المعماري:

لعل من الصعب الحكم على مستقبل الشكل المعماري، في ظل التطور الحاصل لجميع العوامل التي تناولنها أعلاه، إلا أن البوادر التي تظهر اليوم حول مستقبل الشكل المعماري، تدور حول البيئة و الاقتصاد بشكل كبير. هذا الارتباط يكون في المشاريع الجديدة أو المراد بنائها. وضمن مستويات مختلفة، سواء على مستوى المساكن أو المشاريع الكبرى. إلا أن هذين العاملين مرتبطان بشكل مباشر بالعامل التقني، فتطور التقنية في المجال البيئي أو بشكل يقلل تكاليف الاقتصاد ستنعكس بشكل مباشر على الشكل المعماري. قد يكون هناك توجه نحو العمارة ذات الدلالة الرمزية سواء في إطارها التقليدي المتمثل في الهوية المحلية، أو قد يكون بإطارها المعاصر لإيجاد شكل معماري جديد ومختلف بغض النظر عن ارتباطه مع الأعمال الأخرى.

إلا النقطة الأهم في هذا الموضوع، هو أن الشكل المعماري قد تجاوز مفهوم الوحدة العالمية إلى مرحلة الانتقاء أو الاختيار. بمعنى أنه قد يصعب القول بأن هناك توجه عالمي موحد يمثل حقبة معمارية خاصة كما فعلت عمارة الحداثة أو ما بعد الحداثة على سبيل المثال. اليوم نحن نتحدث عن تحديد احتياجات ورغبات خاصة تنعكس على مساحات عمرانية تمثل التنوع للمدن، وهو ما يقودنا إلى إشكالية أكبر تمثل هاجس للعديد من المدن، وربما المدن العربية بشكل خاص، وهي مسألة الهوية البصرية للمدن. فكما أشرنا سابقاً أن العمارة لها دور في صناعة المشهد الحضري، إلا أن هذه الصناعة لا يمكن السيطرة عليها بشكل يحقق التجانس، وهو ما قد يشير إلى أن المستقبل يحمل في طياته الكثير من التنوع.

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد التاسع للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر