تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

كابتال هيل: أول حوارات القرن الحادي والعشرين

 

هذا المنزل ليس كبقية المنازل التي تبنى في كل يوم، هو تجسيد لقصة بين عميل ومعماري اتفقا على صناعة عمل معماري يخلده التاريخ، هذا الاتفاق كان ضمن حوار بسيط، ولم يكن الأول في التاريخ، فلقد دار في القرن الماضي حوار بين فرانك لويد رايت وعميله في فيلا الشلالات المتساقطة، ودار بين لوكربوزيه وعميل حوار في فيلا سافوي، وها نحن نرى نتيجة حوار زها حديد وعميلها في فيلا (كابتال هيل).

 

على غابة التلال خارج موسكو منزل وتحديداً في (غابة بارفيخا)، يقع المنزل الاستثنائي (كابتال هيل) بين أشجار الصنوبر والبتولا التي يبلغ ارتفاعها (20 م). تكمن أهمية المنزل ضمن نطاقين، الأول أنه المنزل الوحيد الذي صممته وأشرفت على بنائه المعمارية زها حديد قبل وفاتها، أما السياق الآخر فهو تجسيد أو اختزال لعمارة زها حديد ضمن النطاق السكني، والذي قد يكون بمثابة مرجع لأصحاب هذا التوجه في تصميم المساكن مستقبلاً. لكن قبل أن ندخل في تحليل المسكن، قد يكون من المهم أن نستعرض بدايات الفكرة لهذا المنزل من خلال هذا الحوار البسيط بين زها وبين عميلها رجل الأعمال (فلاديسلاف دورونيان):

دورونيان: أريد أن أستيقظ في الصباح وأريد أن أرى السماء الزرقاء فقط. لا أريد أن أرى أي جيران وأريد أن أشعر بالحرية.

زها: هل تدرك أنك يجب أن تكون فوق الأشجار؟

تناولت زها المنديل ثم رسمت سكتش بسيط وأرته لدورونيان، نظر إليها ثم قال: لقد أحببته.

بهذا الحوار بدأت قصة (كابتال هيل). قد يكون السؤال الأول هنا، ما الذي يدفع العميل إلى رؤية السماء بدون الأشجار في موقع وسط غابة من الأشجار المرتفعة؟ أليس من المجدي أن يغير المكان حيث يمكن تحقيق هذه الرغبة بشكل بسيط ومباشر؟! هذا السؤال المنطقي لم تطرحه زها حديد عند سماعها رغبة العميل، بل ردت بسؤال استفهامي معاكس لتتيقن من مدى جدية قبول العميل للحل الذي يدور في رأسها (هل تدرك أنك يجب أن تكون فوق الأشجار؟). بهذا المنطق يمكن لنا أن نفهم ونحلل كيف ظهرت هذه الفكرة الاستثنائية، وبغض النظر عن قبولنا لها أو رفضنا، يبقى سياق صناعة الفكرة الأولية مهم جداً في معرفة وقراءة العمل نفسه. قد يكون من الواضح لو حاولنا التفسير، رفض (زها) الداخلي للبقاء وسط الأشجار، هذا الرفض (وإن افترضناه) توافق مع رغبة العميل في رؤية السماء الزرقاء، فكان الحل هو الارتفاع فوق الأشجار.

بشكل عام، ينقسم تصميم (كابتال هيل) إلى جزئيين، الأول يتماشى مع الإطار الأفقي للتلال المنحدرة، هذا الجزء يضم طابقين هما الأرضي والأول، حيث يقع مدخل البهو والمكتبة وغرفة الضيوف وغرفة ألعاب الأطفال في الطابق الأول، بينما تقع أجنحة غرفة النوم الرئيسية والتراسات الخارجية في الطابق العلوي المرتفع فوق الأشجار للاستمتاع بالمناظر الواسعة المحيطة. حيث تتميز بواجهات زجاجية بزاوية مواجهة للغابة. أسقف عريضة ذات حواف متدرجة بشكل غير منتظم فوق الجدران الزجاجية لكل طابق.

 

 

أما الجزء الثاني من المنزل فهو يرتفع (22م) فوق سطح الأرض ليوفر إطلالات رائعة على المناظر الطبيعية للغابات الروسية كما هي رغبة العميل. يرتفع الجناح الخاص بـ(دورونيان) بمعزل كامل عن بقية المنزل، حيث يطل الجناح على قمم الأشجار من خلال جدران زجاجية، عالجتها (زها) بأسلوبها المرن المعتاد، لتوجد شرفتين ضمن الكتلة المرتفعة. يمتد شريط من الزجاج المزخرف على طول العمود الداعم للجناح، والذي يحتوي على مصعد زجاجي ودرج يسمح لـ(دورونيان) بالاستمتاع بالمنظر على صعوده ونزوله، وترتبط المكونات الرئيسية عبر ثلاثة أعمدة من الخرسانة تتقاطع مع السقف في الطابق الأول، لتحديد المناور والمدخل الرئيسي المزدوج الارتفاع.

على مستوى الشكل، قد يكون هناك الكثير من التفسيرات، فالمبنى معاصر وأشبه بمركبة فضائية استقرت وسط الغابة في رحلة استكشافية للأرض. هذه الفانتازيا حول تفسير الشكل بالنسبة لأعمال زها حديد قد تكون ممكنة في ظل أنه العمل الوحيد لها بهذا المقياس ولهذا الغرض. إلا أن عملية الاكتشاف للشكل ولخبايا هذا العمل ستسمر بدون شك لسنوات طويلة، كما كان الحال مع فيلا الشلالات المتساقطة وفيلا سافوي وغيرها من الأعمال السكنية المميزة. والتي تظهر مدى قرب المعماري من العميل.

الرسالة الأخرى التي يمكن قراءتها من هذا العمل، أنه نوع من التأكيد بأن بوابة الإبداع الكبرى والأولى للمعماري هي ضمن نطاق المسكن، فالكثير من الأعمال والمشاريع التي تم تنفيذها من قبل كبار المعماريين، إلا أن المساكن تظل هي العلامات الفارقة في مسيرة غالبيتهم. ربما هذا درس آخر يمكن من خلاله أن يتمكن المعماريين الجدد من رسم توجهاتهم المستقبلية.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد التاسع للسنة الثالثة

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر