تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

إعادة الإعمار: تخطيط المدن ما بعد الحرب

 

لعب التخطيط العمراني دور كبير في الجانب المظلم للمدن (الحروب) منذ البداية، ذلك الجانب الذي يعكس الوجه الآخر للإنسانية، فقامت المدن آنذاك بحصونها وقلاعها لوقف المد الحربي بغض النظر عن أسبابه ودوافعه. وعلى الرغم من محاولات نشر السلام والمعاهدات وتطور آلة الحرب كذلك، بدأ هذا الدور في التراجع إلى حد ما، في سبيل التركيز أكثر على رفاهية الإنسان. إلا أن ذلك لم يمنع من وقف الصراعات والحروب وخراب المدن حتى يومنا هذا. في هذا العدد سنسلط الضوء على الدور المعاصر للتخطيط العمراني في هذه الجزئية المظلمة من واقعنا.

 

نظرة عامة على الحروب والصراعات

قبل أن نبدأ في تناول أساليب وطرق التخطيط العمراني المعاصر في معالجة وإعمار المدن ما بعد الحرب، يتوجب علينا أن نضع قاعدة بسيطة لأنواع الحروب والصراعات التي تجتاح المدن، والتي تؤثر بشكل كبير على منهجية وسياسة التخطيط العمراني بعد ذلك. بشكل عام، هناك ثلاث أنواع رئيسية لهذه الحالات المضطربة، يمكن الوقوف عليها على النحو التالي:

أولاً: الحروب: وتعد أعلى درجات الاضطراب، حيث عادة ما يكون الدمار الناتج عنها كبير جداً، ويتطلب سنوات من عمليات إعادة الإعمار. وتختلف الحروب بحسب حجمها، فهناك الحروب الكبرى أو العالمية مثل ما حصل في الحرب العالمية الأولى والثانية، والتي تعد من أكثر النماذج قساوة لإعادة الإعمار كما تشير معظم المصادر والحقائق والأرقام. وهناك الحروب القطرية والتي عادة ما تكون بين دولة وأخرى، حيث تتوسع هذه الحروب في المساحة والدمار حسب العمق الذي تصل إليه، وقد تنحصر في مناطق محددة فقط. ويعد هذا النوع أقل ضرراً من النوع الأول إلى حد ما وفي ظل عدد من الظروف والمعطيات.

ثانياً: الصراعات المحلية: وعادة ما تكون هذه الصراعات بين أفراد وشعوب الوطن الواحد، أو الأقاليم التابعة لها. وهناك بعض المختصين الذين يرون أن هذه الصراعات هي النوع الثالث من الحروب، خصوصاً إذا ما تم استخدام الأسلحة الحربية والجيوش ضمن هذه الصراعات. والبعض الآخر يصفها بالحروب الأهلية، كوصف لها كونها تقوم بين أهالي البلد أو المنطقة الواحدة. وتاريخياً يرى البعض أن مقاومة الاستعمار يمكن تصنيفها ضمن هذا الإطار، حيث عادة ما يكون المقياس في مثل هذه الصراعات غير متكافئ بين الفريقين أو الفرق.

وتكمن إشكالية هذه الصراعات في أن أضرارها عادة ما تكون مدمرة للمناطق الضعيفة، وعلى الرغم من أن هذا التدمير يأتي على يد أهل البلد الواحد، إلا أنه عادة ما يكون عنيفاً بشكل كبير في سبيل القضاء على الطرف الآخر، أو أحياناً لقلة الخبرة الاستراتيجية العسكرية في الحفاظ على الممتلكات وهزم الطرف الآخر بأقل الخسائر، لذلك يتم اعتبار هذا النوع من الصراعات العشوائي والمدمر بشكل كبير.

ثالثاً: العصيان والتمرد الجماعي: ويشمل هذا التعريف عدد من الأنواع التي تندرج تحته، مثل المظاهرات المسلحة أو العنيفة لفرق أو تنظيمات معارضة للحكومة أو الشعب، وهناك أيضاً الهجوم الإرهابي من الفئات والمنظمات الإرهابية على اختلاف أنواعها، وقد يكون الطور الأخير من الاحتجاجات والمظاهرات العامة والمناهضة لبعض السياسات الحكومية أو لأسباب اقتصادية تتعلق بالدخل والانهيارات وغيرها من المظاهر. وتختلف أيضاً درجة الدمار الناتج عن هذا العصيان أو التمرد بحسب الظروف والمكان والاستجابة الأمنية وغيرها من العوامل، إلا أنها عادة ما تكون ذات أضرار سطحية يمكن معالجتها بشكل سريع دون عناء إعادة الإعمار للمدينة وتخطيطها العمراني.

 

مفهوم وسياسات إعادة الإعمار:

لا يرتبط مفهوم إعادة الإعمار بالبناء وحسب، فهناك عوامل أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار قبل وأثناء عملية إعادة الإعمار وبشكل أساسي. والسبب في ذلك، يكمن في أن الأضرار ليست أضرار حسية أو ظاهرة فقط كما هو مشاهد في المباني المدمرة والبنية التحتية المهدمة، بل هناك الجوانب الاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية. بل وحتى الإنسانية التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند التخطيط لإعادة الإعمار ما بعد الحرب. ولهذا السبب، عادة ما يتم قياس إعادة الإعمار ضمن الإطار الزمني، بمعنى كم من الوقت سيستغرق هذا البرنامج أو ذاك مقارنة بالتكلفة الكلية. فالعملية لا تقف عند التخطيط أو البناء وحسب. وتشير عدد من المصادر إلى أن هناك سبعة عوامل رئيسية يجب تضمينها ضمن برنامج إعادة الإعمار لضمان نجاحه بالشكل المطلوب، هذه العوامل السبعة على النحو التالي: (1) وجود رؤية واضحة لخطة إعادة الإعمار على المدى المتوسط كحد أدنى إن لم يكن المدى البعيد. (2) تحديد ومعرفة الأعضاء المشاركين بفئاتهم المختلفة في عملية إعادة الإعمار. (3) إعادة تأهيل المصادر الطبيعية، والأمن والنظام الداخلي. (4) إعادة الثقة، وتمكين العدالة والقانون. (5) تطبيق مبدأ العدالة الاجتماعية في تقسيم المناطق والمصادر والممتلكات بين مناطق المدينة والفئات المختلفة. (6) إعادة الإعمار للمباني والخدمات والبنية التحتية بحسب برامج وخطط زمنية. (7) بناء القدرات والإمكانيات المحلية وتنشيط الاقتصاد والفعالية الاجتماعية.

 

 

مراحل إعادة الإعمار:

بحسب النقطة السادسة من العوامل التي سبق الإشارة إليها أعلاه، نجد أن عملية إعادة الإعمار العمراني تأتي في المراحل الأخيرة ضمن البرنامج، أي بعد أن يتم وضع التصور العام لإعادة الإعمار وتحقيق مفاهيم الأمن والقانون والعدالة الاجتماعية. إلا أن هذه المرحلة تنقسم إلى عدد من المراحل الثانوية والمهمة، والتي تمثل الشوط الأطول في عملية إعادة الإعمار للمدن ما بعد الحرب، كونها ترتبط بشكل كبير بالقدرة الاقتصادية وكذلك الإمكانيات والقدرات المتاحة، ويمكن الإشارة إلى هذه المراحل على النحو التالي:

 

أولاً: عمليات التنظيف:

تختص هذه المرحلة بعمليات الإزالة والتنظيف للمخلفات والدمار الناتج من الحرب، حيث عادة ما يتم تحديد المناطق المتضررة بشكل كبير ثم الذي يليها وهكذا، وكما هو الحال في دراسة المناطق العمرانية، يتم تحديد الأجزاء أو المناطق التي سيتم تنظيفها أو إزالتها، يشمل ذلك البنية التحتية والخدمات والشوارع والطرق الرئيسية وغيرها من العناصر العمرانية.

 

ثانياً: عمليات الكشف:

وتقوم هذه الخطوة على الزيارات الميدانية من قبل اللجان المختصة، والفحص والكشف على المباني والعناصر العمرانية على اختلافها، لتحديد ما يمكن الاستفادة منه أو ما هو متضرر، هذه العملية تلعب دور كبير في التكاليف المترتبة على عملية إعادة الإعمار مستقبلاً. وبين هذا الكشف والفحص يتم تحديد الممتلكات والعناصر العمرانية ذات الأهمية، مثل المباني الرسمية أو التراثية والتاريخية، والتي يمكن إعادة ترميمها ليتم الاستفادة منها مستقبلاً.

 

ثالثاً: عمليات التخطيط:

بعد أن يتم إزالة الدمار وتحديد المناطق المتضررة وإزالتها والبقاء على ما يمكن الاستفادة منها، تبدأ عملية التخطيط العمراني للمناطق المتضررة وربطها بالمدينة أو الإقليم. هذه العملية عادة ما تتضمن رؤية مستقبلية خصوصاً في مواضيع الإسكان والتعزيز الاقتصادي للمدينة نفسها، بغرض جذب الاستثمارات والثقة مرة أخرى للمدينة. بعض هذه الخطط يعتمد على السياحة كنقطة جذب، من خلال إعادة استخدام مخلفات الحرب كمتاحف أو شواهد على حقبة معينة.

 

رابعاً: عمليات التصليح والبناء:

وعادة ما تكون هذه العملية ضمن منهجية وخطة زمنية طويلة ومتوسطة الأجل، حيث تعتمد على التدفق الاقتصادي لعملية إعادة الإعمار، وبالتالي يجب أن تكون ضمن مواعيد شبه ثابتة. أيضاً يتزامن مع هذه المرحلة عمليات إعادة التوطين للسكان وأفراد المجتمع، بما في ذلك رؤوس الأموال والنشاطات التجارية والسياحة وغيرها.

 

نظرة على العالم العربي

من المؤسف أن يكون العالم العربي من أكثر المناطق في العالم تضرراً من الحرب، فالمنطقة كانت ولا تزال في حال هيجان دائم، وهناك تجارب كثيرة مرت بها الدول خلال السنوات الماضية في مجال إعادة الإعمار، لعل أشهرها هو إعمار مدينة بيروت منذ تسعينات القرن الماضي. لهذا السبب، ينظم اتحاد المصارف العربية والاتحاد الدولي للمصرفيين العرب، منتدى (تمويل إعادة الإعمار – ما بعد التحولات العربية) والذي حمل عدد من الرسالات والقراءات حول إمكانية إعادة الإعمار للبلدان العربية المدمرة. حيث ضم المنتدى العديد من الآراء والأوراق المطروحة حول الفرص والمخاطر في عمليات إعادة الإعمار. وهي مبادرة في مكانها من المصرفيين والاقتصاديين في هذا التوقيت، نتمنى أن يتبعها مبادرات أخرى لمهن ذات علاقة مثل التخطيط العمراني، بهدف تسليط الضوء على هذا النوع من التخطيط المهم والضروري لعالمنا العربي في هذه الفترة.


 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد التاسع للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر