تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

المجتمعات المستدامة

 

يعتقد الكثيرون أن مصطلح "الاستدامة" مرادف لمصطلح "الصديق للبيئة". وهذا ناتج عن فهم قاصر أن الاستدامة تعنى بالشؤون البيئية فقط. لقد طفا مصطلح الاستدامة تحت الضغط المتنامي للخطاب للبيئة ولكن من غير الصحيح حصره بالتطبيقات البيئية فقط ولا بالحلول المعمارية الصديقة للبيئة، فهناك الجانبان الاقتصادي والاجتماعي وللأسف فإن الأخير غالبًا ما يكون مغيّبًا عن المشهد فنشاهد تطبيقات الاستدامة تقتصر على ألواح كهروضوئية تعلو أسطح المباني لتوليد الطاقة الشمسية ويروّج لها بعنوان المباني المستدامة وهي أبعد ما تكون عنها.

يحاول البعض الدفع نحو المدن الصديقة للبيئة لتحقيق مجتمع مستدام وهذا له أسباب، فالإحصاءات تشير وبشكل واضح أن المباني هي أكبر مستهلك للطاقة والتي هي في الأساس يتم توليدها من مصادر طاقة غير متجددة (الغاز والبترول)، وباستبدالها بمصادر متجددة كالطاقة الشمسية فإننا نحافظ على الموارد للأجيال القادمة إلا أن هذا لا يعني وقف الهدر في الطاقة، فذلك مرتبط بسلوك الأفراد في تشغيل الأجهزة الكهربائية. على سبيل المثال فإن الغالبية من الأفراد تقوم بضبط أجهزة التكييف على(16) درجة سيليزية مستنزفة طاقة كبيرة في التبريد وفي ظل عدم وجود عوازل في المباني فإن البرودة تتسرب إلى الخارج ولا يعني أن التحوّل إلى مصادر صديقة للبيئة بالضرورة يعني تحقيق الاستدامة.

الاستدامة تدور حول نمط حياة الناس، فكل فعل يصدر من الإنسان له تأثير على البيئة ابتداءً من خيارات التكييف ونوع الطعام إلى مكان العمل أو السكن و وسائل النقل والترفيه. هذه الأفعال والممارسات والاختيارات غالبًا ما ترتبط بمصالح ومنافع شخصية تحقق رفاهية الفرد وتحدد أشكال الاستهلاك في أي مجتمع من المجتمعات. ولا يوجد حتى اليوم دليل على أن الثروة المادية تزيد من رفاهية الإنسان، وفي الواقع فإن بعض أشكال الفائض المادي كالاستهلاك المفرط للطعام مسؤول عن ما يقارب (40%) من نسبة الوفيات في العالم.

إن نمط الحياة الاستهلاكي الذي نعايشه اليوم هو أكبر عقبة أمام تحقيق الاستدامة ولكن تغيير هذا النمط يواجه تخوفًا من الأفراد لتقليل جودة الحياة وبالتالي رفاهيتهم وسعادتهم. يقول كولن بيفان مؤلف كتاب (إنسان بلا أثر بيئي): "أن الناس حتى في مدينة نيويورك، وهي مدينة غنية، تعساء في الواقع. إنهم يعملون من (12) إلى (14) ساعة في اليوم، ولا يقضون ما يكفي من الوقت مع أحبائهم، ولا يستخدمون مواهبهم وما هم مولعون به، حتى في هذا المكان الذي يزعم أنه غني. والفكرة هي أننا نعمل كثيرًا بالفعل من أجل شراء أكبر قدر نستطيع شراءه من المواد، وهذا ما يُدمر عالمنا. وتعني الموارد اللازمة لذلك أن يحدث لدينا تغير المناخ، وإزالة الغابات، واستنفاذ المحيطات، ولذلك فإن جذور عدم الاستدامة وجذور أنواع معينة من التعاسة هي نفسها في الواقع. ولذا إذا قمنا بذلك بطريقة ذكية، على المستوى الفردي والمستوى المجتمعي سواء، فستكون نوعية الحياة والاستدامة متماشيتين تماشيًا تامًا مع بعضهما البعض".

يرتبط تحقيق الرفاه والسعادة بتحقيق الاستدامة بشكل وثيق. فالاستدامة تتيح للأفراد الاستمتاع بمستوى معيشي مرتفع باستهلاك الحد الأدنى من الموارد البيئية. ومؤشر "السعادة" أو "الرفاه" معيار جديد لقياس المستوى المعيشي من خلال (التعليم – الصحة الأولية – الشعور بالأمان والانتماء – المساواة .. إلخ) وهي العوامل المتحكمة لخلق مجتمع بهيج. لم تعد المادة أو الثروة لوحدها ومقدار دخل الفرد العامل المتحكم في رفاهية الفرد ولذلك بدأت الحكومات في الاهتمام بملف مؤشر السعادة أو الرفاه لتلبية احتياجات الأفراد نحو تحقيق الاستدامة.

هذه العوامل الغير مادية بتكاملها مع البيئة الحضرية المبنية تخلق المجتمع المستدام وتلبي الاحتياجات الأساسية لأفراده وتسهم في تكوين مجتمعات قوية ومتماسكة وتوفر نوعية حياة عالية الجودة، مستفيدة من مستويات التعليم العالي وانخفاض معدلات الجريمة و إشراك جميع الأفراد في التخطيط.

إن اقتناء تطبيقات البيوت الصديقة للبيئة أمر في غاية السهولة لكن نمط العيش الغير المستدام لن يجعل الأمور تتغير. المباني الصديقة للبيئة لوحدها لا تحقق لنا الاستدامة وإنما إعادة التفكير في أنماط استهلاكنا فزيادة الاستهلاك في حد ذاته لا يوفر لنا مجتمعًا أفضل وحياة مرفهة وإنما تحسين فرص الحصول على الرعاية الصحية والتعليم والمساواة ستجعل من مجتمعنا أكثر سعادة ومكانًا أفضل للعيش.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر