تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

الأحياء القديمة كنز

 

أحد الأحياء القديمة في دولة الإمارات، تم إعادة تخطيطها حسب المعايير الحالية للتخطيط، الشوارع لا يقل عرضها عن... حتى يمكن عبور السيارات، والأرصفة يجب أن تكون حسب المعايير الحالية لا تقل عن... حتى يمكن أن تقف السيارات، والمواقف وأحجام الأراضي لابد أن تكون واجهاتها لا تقل عن... حسب المعايير، والمباني المتلاصقة يجب أن تُهدم -أو هدمت بالفعل- حتى تحقق الارتداد المطلوب، وتمت عملية إعادة التخطيط بتقليص عدد المساكن الصغيرة الآمنة المطمئنة إلى النصف، وتم على حسابها توسيع الطرقات التي لم تكن -وقت تخطيطها- تعرف أن هناك اختراع اسمه سيارة، ولم تكن أصلاً مهيئة لعبور أو وقوف السيارات، وكانت النتيجة أن صنعنا منطقة نشاز، أعدنا تخطيطها لتناسب السيارة، فلا هي ناسبت السيارة ولا نحن احتفظنا بذلك الكنز الحضاري لنا وللأجيال القادمة.

هذه حالة واحدة، وأكاد أجزم أن هناك حالات أخرى في مدن عديدة، يدفع لتغيير تخطيطها عامل اقتصادي في بعض الأحيان، كما أن هناك عوامل أخرى أمنية وفنية وهندسية، ولكن تكمن المشكلة أننا لم نستطع فهم هذه الأحياء وأهميتها، بدايةً هذه الأحياء صغيرة نسبيًا، ومع التوسع العمراني الكبير لا تشكل (5%) من المدينة الحالية في أفضل الأحوال، ثم إن هذه المناطق القديمة تشير إلى مرحلة عمرية من تاريخ المدينة، سواء بُنيت مبانيها من الحجارة الطبيعية أو من الخرسانة المسلحة، فإنها تشكل ذاكرة مكانية قد لا يفهمها من يسعى لبناء برج غير محدد الأدوار، ولا يقدر مكانتها من يقيّم الأرض بدخلها المادي فقط، ولكن هي في الواقع مسؤولية الجهات الحكومية الغير ربحية، والتي ترسم صورة متكاملة للمدينة، بحيث يكون التاريخ جزءاً منها، ومكانة المدينة الحضارية هدفها، وعليه فإن تكرار إعادة تدمير المناطق القديمة تبقى مسؤولية متخذ القرار.

في المقابل هناك مشروع كبير تقوم به مدينة أخرى، يسعى لإعادة المدينة لسالف عصرها، فكما أن هناك صور قاتمة تتكرر، فهناك صور مضيئة يسعى البعض لإبرازها، فالمدينة القديمة تم هدم أجزاء كبيرة منها مع بدايات النهضة العمرانية، ولم يبقى منها شيء يذكر في خضم الانبهار بالعمران الرأسي، ولكن بعد أن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، اكتشف متخذ القرار أنه أهدر كنز ثمين في خضم البدايات الخاطئة، وبالفعل بدأت عملية إعادة تخطيط المناطق والأحياء القديمة في المدينة، وجاري إعادة الطرقات والسكك والمباني في مشروع ضخم باهظ الثمن، حيث أنه يتطلب هدم أبراج تتجاوز العشرة أدوار في بعض الأحيان، كما يتطلب إلغاء مجمعات تجارية كانت تسمى في البدايات بـ"مجمعات البنوك"، وذلك لكثرة الشركات والبنوك فيها، وهذا المشروع هو قلب الشارقة.

بين هدم منطقة قديمة ومحاولة استرجاع منطقة أخرى، يمكننا استخلاص أهم الدروس ومنها: أن المناطق القديمة كانت تعكس ثقافة مجتمع متكامل بحضارته، ووسائل نقله، وطريقة بناءه، والمواد المتوفرة في بيئته، كما أنه يعكس مؤثرات الثقافة في تشكيل المجتمع، من ناحية خصوصية المساكن، وعدد المساجد، ونوعية التعليم، وكل ذلك يمكنك استنباطه من نوع البناء والتخطيط في المناطق القديمة، والدرس الثاني أن تطبيق المعايير الحالية على المناطق القديمة، يجعلها مناطق ممسوخة لأنها لم تخطط لمرور السيارة مثلاً، وعليه فتصبح السيارة عبئاً عليها وتفسد أجمل ما فيها، والحل في أن تكون المناطق القديمة كما هي، ويمنع دخول السيارات فيها، ويسترجع شيئاً من ماضيها سواء في وسائل النقل أو طريقة إدارة الحياة، وبذلك ستصبح مناطق جذب سياحي منقطع النظير، كما أنها ستكون مرجعًا تاريخيًا، وكتاباً مفتوحاً لتسلسل حضارة المدن.

وأخيرًا، فعندما زار الرئيس الأمريكي دولة الإمارات خلال العقد الأخير، كانت من ضمن جولاته منطقة الفهيدي القديمة في دبي، مع العلم أننا نملك في الإمارات البنايات الشاهقة، والجزر المصطنعة، والأسواق الضخمة، ولكن كل هذه لم تكن من ضمن جولات الرئيس الأكبر في العالم، ببساطة لأن الزائر لا يبحث عن منتجات العولمة، ولكنه يبحث عن ما أنتجت البيئة المحلية الحضارية، كما أن السياح يهمهم بالدرجة الأولى معرفة ثقافة المجتمع، وطريقة تفكيره، وتاريخه القديم والحديث، كما أنهم مولعون بمعرفة تأثير عناصر الثقافة كالدين واللغة في تشييد المباني، وهذا الذي نرى أنه كنز لا يمكن أن يُعوض، وقد يعتقد البعض أن التراث هو ما تعدى عدد من السنين، كما تقوم بعض المنظمات بمنع هدم المباني إن تجاوزت قرن من الزمان، ولكن الحقيقة حتى المباني التي تجاوزت عقود فقط تخلد ذاكرة المكان الحضارية، ولذلك فهي كنز ثمين لا يمكن التفريط به.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر