تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

أنسنة العمارة: معًا نحو عمارة إنسان لا بنيان

 

لعلّ التفاعل بين الإنسان والمكان يعني القدرة على أنسنة الفضاء الذي يحتويه بكل ما يتضمنه من معان ودلالات، فدلالة التشكيل تعني دلالة فهم واستيعاب الحياة بما لها من متطلبات أساسية وحاجات إنسانية وتطلعات مستقبلية. فالحيز المكاني لا يقتصر على الخصائص الفيزيائية وإنما يتعداها إلى الهوية التي تمنح الإحساس بحيوية الحيز المكاني وتحقق المنفعة مع المحافظة على الخصوصية.

ويعبر المكان عن مكنوناته من حيث الشكل أو اختلاف الأشكال وتعدد القراءات، إضافة إلى إنه يعد من الناحية الفيزيائية نسيج من العلاقات المتشابكة والمختلفة باختلاف مكونات بيئة الإنسان الفكرية وبيئته الاجتماعية والعمرانية، وهذه العلاقات المتشابكة تعتمد على مجموعة من العلاقات وأهمها: الطبيعية، العقائدية، القيمية، والثقافية وعلاقات اعتبارية أخرى.

ترمي أنسنة المباني إلى فهم السلوك الإنساني، وكيفيات التأثير التبادلي بينه وبين البيئة المبنية بمعرفة أعمق لأنماط السلوك الإنساني المتعلقة بالمباني. ولعل إشكاليتنا الرئيسية في دعوتنا إلى أنسنة العمارة هنا هو: كيف نعيد للعمارة بعدها الاجتماعي لكي تنسجم وتتوافق مع المستجدات العصرية مثلما كانت عليه حتى في الماضي القريب؟ ولذلك اقتضت الضرورة ربط "المعنى الاجتماعي" للعمارة بنظرية "الملائمة المعمارية" بالبحث في القيم الخاصة التي يجب على المتعامل مع التراث المعماري والعمراني معرفتها، والتي أفرزت لنا هذه التكوينات التشكيلة والصورة البصرية التي أنتجتها لنا العمارة الصديقة لبيئتها ومجتمعها.

من منا لا يود أن يسكن في مدينة تتبنى مفاهيم الاتزان والموائمة؟ الصداقة والاستدامة؟ والتوافق والتكامل؟ فالمدينة التي تحترم سكانها تلبي احتياجات جميع فئات المجتمع من الصغير للكبير ومن صحيح البدن إلى ذوي الاحتياجات الخاصة. المدينة الحسية تغذي الروح من خلال تجربة حسية متناغمة تلامس حواس الإنسان الخمس دون الهجوم الحسي من ضوضاء وتلوث بصري. والمدينة ذات الألفة تعطي الإنسان مكانًا يشعره بقيمته ولا تحيطه بمبانٍ تقزمه وتخنقه. أما المدينة المستدامة فهي صديقة للبيئة توفر مقومات العيش المستدام على جميع الأصعدة. كذلك الخيال الذي نتركه خلفنا كلما كبرنا يعتبر من مقومات المدن الإنسانية. لو تبنى العالم بأكمله هذه المفاهيم لن تتشابه مدننا لأن السكان يكون لهم دور كبير في تشكيلها بل سوف نرى نماذج متنوعة لتطبيقها.

بينما كانت المدن نتاج تخصص التخطيط العمراني في السابق أصبح تشكيلها يتحول لتصبح المدن نتاج شراكة بين المعماريين والمصممين والفنانين ومصممي البيئة وعلماء الاجتماع والكتاب والفلاسفة بالإضافة إلى المخططين العمرانيين. فتضافر وتداخل الجهود يثري المدينة ويزيد من مناسبتها للإنسان لأن كل جانب من هذه العلوم يتناول المدينة من زاوية مختلفة.

أتساءل بالفعل أين نحن من هذا التعاون الجاد بين التخصصات لتحسين حال مدننا؟ وإن كنا لم نتشارك بعد في وضع تصور المدينة علينا على أقل تقدير أن نفتح مجال الحوار وتبادل الخبرات والتعاون والتشارك في المعلومات وذلك كخطوة أولى.

عندما أسمع حديثًا عن أنسنة المدن محليًا أجده لا يتعدى إيجاد أماكن للمشي والترصيف في الغالب. وإن كان هذا جانبًا مهمًا إلا أنه ليس كل شيء بالذات أن المشي المقصود هو المشي للتريض وليس إمكانية حقيقية لجعل المشي وسيلة تنقل بين المنزل والعمل مثلاً.

أنسنة المدن تبدأ بالأنظمة واللوائح بعد دراسة الوضع الراهن وإشراك سكان المدن في صنع مدنهم. فالتصميم التشاركي (participatory design) هو من الوسائل الناجحة في التخطيط وإعادة تطوير الأحياء وهو ما زال مفقودًا تمامًا لدينا. فمن يعرف احتياجات الحاضرة أكثر من سكانها؟

كون الإنسان محور هذه الحياة يحتم أن يكون كذلك محور أي جهد على هذه الأرض من أجله ووجب أن تكون عمارتها موجهة له وتحترمه بشكل خاص إلا أن الملاحظ اختلاط ميزان هذا المحور في التصاميم المعمارية الحالية فنجد أنها قد أهملت قصداً هذا المحور الإنساني للبحث عن محاور أقل أهمية منه والحديث لا يقتصر عن العمارة العامة بل أصبحت التصاميم المعمارية الخاصة أيضاً لا تحترم هذا البعد الإنساني في التصميم وحتى أرقى المحاولات لدينا ما زالت بعيدة عن احترام هذا البعد الإنساني في التصميم ولهذا فالحديث عن أنسنة العمارة هو دقّ لناقوس الخطر والحيطة لعمائر وبيئات مهدّدة، حتى تتناسب معنا كبشر نستخدمها في حاضرنا ومستقبل أجيالنا ولابد كذلك من أن يتحرك المهتمين بذلك لمواجهة محاولات تهميش هذا البعد الإنساني في التصاميم المعمارية وإعادته كركيزة أساسية في التصاميم المعمارية .

لعلّ التصور بأن فنون العمارة لا يعبر عنه سوى بالمباني المرتفعة والمتعددة الأدوار أو الاستفادة القصوى من المساحات المتاحة أو باستخدام الأشكال الغريبة والعجيبة في التصاميم يعتبر قد حدد مطلقاً وهذا ما لا يجب على المعماريين خصوصًا القناعة به وإتباعه فجمال العمارة دوماً ما كانت ومنذ مئات السنين في الاعتبارات الإنسانية للتصاميم المعمارية لا بالأشكال "الغرائبية" المعمارية التي لا تتناسب سوى مع بعضها فلا تجد تناسب إنساني أو بيئي أو بصري ولا بالاستخدام الزائف لبعض الأجزاء وليست في التظاهر بالأصالة المعمارية ومع أننا ما زلنا نأخذ من تراثنا ونتعلم منه بساطته وأناقته التي تتجانس كثيراً وتتمازج بشكل مرتب مع البيئة والإنسان من حولها إلاّ أننا ما زلنا لم نطور هذا التمازج ليحقق لنا بيئة معمارية وإنسانية أفضل. أن استمرار تهميش المحور الإنساني في التصاميم المعمارية سوف يكون عاملاً مؤثراً بشكل سلبي في طبيعة الإنسان وشخصيته وعلاقاته مع المجتمع وسيزيد من العزلة التي تتسبب حسب متخصصين في زيادة الاكتئاب والأمراض النفسية وارتفاع معدلات الإدمان. فمن حقنا أن نحيا كبشر حياة كريمة في عمران يحترمنا.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر