تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

أثر الإحساس بالعمارة (1)

 

تزوّدنا الحواسّ بمعلومات فوريّة، متجددة، ولا نهائية وبشكل مستمر، حيث تقوم بوظائفها الطبيعية وبشكل متكامل على ثلاث مراحل رئيسية، فبمجرد دخولنا أي حيزّ فراغي، نبدأ بملاحظته بشكل عام وتفاصيله بشكل خاص، ومن ثم التعرف عليه من خلال إدراك وظائفه وخصائصه المادّية، وصولاً لمرحلة التقييم وهي المرحلة التي ينعكس بها إحساس المستخدم تجاه الفراغ متمثّلاً بـ(الانطباع/الحكم)، متجسّداً بردّة فعل داخلية أو خارجية، إن الأجهزة الحسيّة بالجسم هي نقاط الاتصال والرصد بين العمارة والإنسان، هي مشكّلات الخلفية والتجربة المعمارية لحيّز ما (Space Experience)، ويقودنا ذلك للإقرار باختلاف التجربة المتكوّنة لدى المتلقّي باختلاف خبرته الحياتية، وهذا ما يهتمّ له المعماري في الواقع صناعة التجربة، من خلال خلق بيئة مادّية للإنسان يطمح بها المعماري لتحسين حالة المستخدم الصحّية والنفسيّة، تثري إحساسه وتقوّي اتّصاله بالفراغ.

 

هناك عدة قرارات تصميمية تثري المنتج المعماري مضيفة تجربة مكانية مختلفة للمستخدم، مؤثرة بدورها سيكولوجياً وفسيولوجياً إيجاباً كان أو سلباً فهي مكونة انطباع للمكان أيضاً فعلى سبيل المثال، تعمل المساحات ذات الأسقف المرتفعة لجعل الفراغ يبدو وكأنه ضخم ولو كان ذو مساحة صغيرة!. يمكن أن ندعم هذا المفهوم (الإحساس والانطباع) بمثال منزل الشّلال (Falling Water) الشهير للمعماري فرانك لويد رايت، حيث كوّن مسطّحات خرسانية بارزة تعلو الشلال، لتبدو طبيعية محاكيه للصخور البارزة بالموقع، لإثراء الإحساس بالتكامل مع الموقع والتجانس مع الطبيعة، وبملاحظة تكوين المبنى الممتد أفقياً نجده مؤكّداً أفقيته من خلال التباين بين المواد المستخدمة، باختياره الأسطح الملساء ذات اللون الواحد، والأسطح الخشنة والمستخدمة من قطع الصخور، واستخدمت الأسطح الخشنة في أماكن الارتكاز لتوحي بالثقل وثبات المبنى على الأرض، ومن جهة أخرى استخدمت الأسطح المصقولة فاتحة اللون في التكوينات الخرسانية البارزة ليضيف لها الإحساس بالخفّة ويدعم إحساسها بالطيران في الهواء، إن اختيار المواد مهمّ للغاية، فهي تساهم بلا شك بخلق وتكوين ارتباطات حسية مكانية مختلفة، الأمر الذي يمكّنك من تمييز أحد الأكواخ في (Smoky mountain) بولاية Tennessee)) بأمريكا، لبنائها من الخشب الطبيعي الذي تنبعث رائحته في الفراغ المعماري ليصنع ارتباط وإحساس مختلف لزائري المكان، في المقابل هناك تجربة مختلفة في أحد الغرف بفندق (Flamingo)  في لاس فيغاس، والمبني من الخرسانة مستخدماً المواد الصناعية في التشطيب، رابطاً رائحة المكان بمعطّرات الجو الصناعية ورائحة السجّاد كبقيّة الفنادق!.

 

يعدّ الضوء أحد النقاط المهمّة لحاسّة البصر أقرب منها للمس أو الحواس الأخرى، وبالتالي يؤكد عملية الاتصالية الحسيّة بين المبنى والمستخدم، وفي الواقع يجب لفت الانتباه لأحد أهم النقاط في قضية الرؤية، وهي رؤية المكفوفين، وهذه حالة أخرى مختلفة، فقد يحسّ الشخص الطبيعي بالخواصّ المعمارية بالنظر، بينما يستعيض المكفوف عنها باللمس أو السماع لتكون في المقابل هي رؤيته، وبالتالي تختلف أولويّات مصادر الإحساس بين الأشخاص، وهذا مهم جداً معرفته. من أبرز ما يرصد بالنظر هو لون العنصر وتشكيله، فمن دون قدرتنا على إدراك الألوان سنفقد قدرتنا على إدراك الفرق في الأشكال والسطوح ومكونات أي مساحة ويؤثر ذلك مرة أخرى على الجوانب الوظيفية والفسيولوجية والنفسية للمستخدم، وهناك دلالات مختلفة للألوان متى ما عرف المعماري إيجاد استخدامها بشكل صحيح، فعلى سبيل المثال، يزيد اللون الأحمر من نشاط موجة الدماغ، ويرسل المزيد من الدم إلى العضلات، وبالتالي تسارع معدل ضربات القلب وضغط الدم والتنفس، ويؤثر اللون الأزرق على الغدة الصنوبرية لتفرز هرمون الميلاتونين، المؤثر هو الآخر على استقرار الضغط والتوتر، وبالتالي من خلال الألوان يمكن التحكم بالمزاج. وهناك ما يسمى بالألوان الدافئة والألوان الباردة، والتي يمكن لها أن تدعم فكرة تصميمية ما أو تعزز من الشعور بالفراغات الداخلية للمبنى. في الواقع، مع استخدام الألوان المناسبة، يمكن التحكم بالشعور وبالوقت أيضاً، وإظهار التكوينات بأوزان أخف أو أثقل، وإبداء الأشياء أصغر أو أكبر، أضيق أو أوسع.

 

تعمل حواسنا كمستقبلات وبوابات لأفكارنا وأجسادنا فهي تتلقى عدة بيانات من البيئة المحيطة وتؤثر على عقولنا وأجسادنا، بإثراء الإحساس بالعمارة يمكن صناعة قصة مختلفة كل مرة للمستخدمين، وبالتالي صناعة ارتباط مادّي مكاني مختلف يتمثل بالذكريات، فيجب على المعماريين التعامل مع تصميماتهم بقلق كبير تجاه الإحساس بعمارتهم، وإحساسهم هم أنفسهم بالعمارة من حولهم عليهم التعامل مع جميع الحواس .

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر