تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

الكوارث الطبيعية: دور مهنة عمارة البيئة المغيب

 

ترتفع المخاوف يوماً بعد يوم حول الأضرار السلبية للتغير المناخي، تلك القضية التي تشغل بال الكثير من المختصين والمهتمين ليس بمجال البيئة وحسب، بل حتى العمران والاقتصاد والاجتماع والحياة على هذه الأرض. فالقضية تتجاوز مسألة تغير بيئي إلى إمكانية مواجهة كوارث بيئية قد تغير من نوعية وأسلوب حياة البشرية على الأرض. بعض هذه الكوارث بدأت في الظهور خلال السنوات الماضية كمؤشرات لما هو قادم. في هذا العدد سنسلط الضوء على دور عمارة البيئة في الحد من هذه المخاطر.

 

نشاهد خلال السنة الكثير من المشاهد التي تحمل في صورها وأخبارها حجم الكوارث البيئية أو الطبيعية على الدول والمدن، وكثيراً ما نتعاطف مع هذه المشاهد كنوع من العجز أمام هذه الأحداث. فمشاهد الأعاصير والفيضانات وحتى الزلازل وانفجار البراكين، كلها مؤشرات تعكس مدى ضعف الإنسان على هذه الأرض. إلا أنه وبعد التسليم بأن هذه الكوارث هي بأمر الله عز وجل، يمكن لنا أن نرى ما هو إيجابي أو ممكن للتعامل معها. ولا يعني ذلك أننا نحاول الوقوف أمام هذه الكوارث بنوع من السذاجة! بل يعني التعامل معها وفق ما مدنا به الله عز وجل من إمكانيات وحكمة وتدبير كجنس بشري يتميز عن بقية الأجناس على وجه الأرض. من هذا المنطلق يمكن الدخول إلى دور مهنة عمارة البيئة كأحد المهن التي يصب مجالها بشكل مباشر في التعامل مع هذه الكوارث، بل وتقليل الضرر قدر الإمكان على البيئة والمدن والإنسان. هذا الدور يتجاوز حدود التفادي إلى الاستفادة في بعض الأحيان. وهو ما يجعل هذا الدور بالغ الأهمية في سياق الأمن البشري والحضري على وجه الأرض.

 

من البساطة إلى التعقيد

قد يكون من المقبول لدى الكثير منا الاعتراف بحكمة أسلافنا وتعاملهم مع الظواهر أو الكوارث الطبيعية ضمن نطاقهم العمراني. بل أن الكثير من تلك الحلول شكلت النواة أو اللبنة الأساسية للحلول التي نعتمد عليها اليوم. لن تجد على سبيل المثال قرية تقع على مسار لسيول مياه الأمطار في القرى، وسيكون من النادر أن تجد قرى ساحلية مشيدة على الشاطئ وبالقرب منه. وسيكون من الصعب أن لا تكون هناك مسافة بين القرية وبين جبل بركاني خامل. هذه الحلول البسيطة والتي اعتمد عليها سكان القرى والمدن القديمة كانت قائمة في معظمها على تفادي المخاطر وضمن مبدأ السلامة أولاً. بل أنه وفي كثير من الأحيان يتم تشييد هذه المدن أو القرى ضمن مناطق حيوية، كأن تكون قريبة من مصادر المياه أو الأراضي الزراعية وغيرها. إلا أنه ومع تطور المدينة الحديثة ونشوء المدن وفق مفاهيم اقتصادية وعمرانية غيبت هذه المفاهيم البسيطة، حيث أصبحت الكثير من المدن تواجه هذه الكوارث الطبيعية بشكل مباشر، وبدون أن يكون هناك تجهيزات أو احتياطات لسلامة هذه المستوطنات أو الفراغات الحضرية من هذه الكوارث، وبالتالي باتت هذه الكوارث ذات تهديد مباشر ومدمر حتى وإن كان في متوسط درجات قوتها ناهيك عن أقصاها. الأمر الذي دفع المهتمين بهذا الجانب إلى إعادة النظر مرة أخرى في الحلول الحديثة وتوظيفها بشكل يحقق السلامة أولاً.

 

عمارة البيئة كنظرة ثاقبة

تلعب عمارة البيئة ومختصوها دور كبير في هذا الجانب، وزادت مساحة هذا الدور خلال السنوات الماضية والتي كانت فيها العديد من الشواهد على تفاقم هذا الخطر. يساهم معماريو البيئة في تقديم الحلول التي تحقق التوازن بين البيئة وأشكالها وظواهرها وبين المدينة وفراغاتها العمرانية. وهم بذلك يمثلون نقطة التوازن ما بين الإمكانيات (أو الواقع) وبين ما هو مطلوب أو مأمول. ولذلك يشكل رأيهم محور أساسي خصوصاً في عملية التنظيم أو التخطيط العمراني للمدن سواء ضمن النطاق الوطني أو الإقليمي أو حتى المحلي. فمن خلال دراساتهم البيئية ومسحهم لطبيعة الأرض وتحديد مصادر القوة والضعف بما في ذلك الفرص والمخاطر يرسمون الملامح العامة لتخطيط وتنظيم الفراغ الحضري، والذي يمكن بعد ذلك تنظيمه بشكل عمراني ووفق مفاهيم حضرية. بل يتجاوز دورهم ذلك الجانب، إلى جوانب الأمن الغذائي وتوفر المصادر الطبيعية لضمان تشغيل هذه الفراغات الحضرية.

 

تغييب أم تجاهل

لا يخفي على الكثير من المختصين ما وصل إليه الحال اليوم تجاه مهنة عمارة البيئة، خصوصاً في عالمنا العربي والذي يحتاج مثل هذا التخصص بحكم الظروف المناخية وقلة الموارد الطبيعية. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال هذا التغييب أو التجاهل مستمراً. قد تكون الأسباب وراء ذلك في قلة الوعي بهذا المجال وكذلك بالمجال البيئي عموماً. وقد يكون بسبب أننا انتقلنا من وضع بسيط تمثل في مدن صغيرة وبسيطة إلى مدن شاسعة ومعاصرة وفي فترة زمنية بسيطة. هذه الصدمة الحضارية كما يصفها العديد من المختصين، ساهمت في سقوط الكثير من النقاط المهمة أثناء عملية الانتقال من مرحلة إلى أخرى وبشكل سريع.

لقد استعرضنا خلال الأعداد السابقة الكثير من القضايا البيئية والتي تتعلق بشكل مباشر ببيئتنا العربية، هذه القضايا تمثل أخطار أساسية حاولنا من خلالها أن نوضح حجم الوضع الذي نعيش فيه ضمن نطاقنا العمراني. وعلى الرغم من تناولنا هذه القضايا بشكل منفصل وكأفكار تطويرية، إلا أن هناك عاملان مشتركان بين كل تلك القضايا أو المخاطر، أولهما أنها بيئية وثانيها هو أن مهنة عمارة البيئة هي اللاعب الأساسي في حل تلك القضايا أو الحد من آثارها السلبية.

سيكون من المفيد لنا كنوع من التصحيح أن نعترف بأننا لم نعطي مهنة عمارة البيئة حقها الكامل وتمكينها من تأدية دورها التنموي أو التطويري. هذا الاعتراف سيكون بداية للعودة مرة أخرى على المسار الصحيح وتلافي ما يمكن تلافيه خلال السنوات القادمة. وعلى الرغم من أن الكثير يطالب بنشر الوعي تجاه هذه المهنة، إلا أنه ومن وجهة نظرنا يمكن أن نقول بأننا تجاوزنا هذه المرحلة أيضاً. فما نعيشه اليوم من أخطار بيئية يحتم علينا أن نتخذ إجراءات تصحيحه بالمزامنة مع التوعية وليس بعدها. خصوصاً في تلك المسائل التي تتعلق بقضايا مثل التصحر وأزمة المياه وارتفاع درجات حرارة المدن والطاقة وغيرها من القضايا المحورية. إلا أن الأهم في هذا الجانب أن نكون مباشرين قدر الإمكان تجاه قضايا بيئتنا وليس قضايا البيئة عموماً. وهناك فرق!

 

 

بين المحلية والعالمية

كما أشرنا في بداية الموضوع أن الكوارث الطبيعية تلعب دور كبير في مخاوف المختصين في مجال البيئة على مستوى عالمي، ومع كامل الإدراك لهذه المخاوف أو المسؤولية الجماعية –إن صح التعبير– إلا أن قضايا البيئة يجب أن تكون ذات منهج شمولي ومحلي وبنفس الوقت. بمعنى أن الإقرار بأضرار التغير المناخي أو قضايا الاستدامة هو أمر يجب أن يكون ذات مسؤولية عامة وبشكل عالمي من حيث الاعتراف بالمشكلة، إلا أن التعامل معها يجب أن يكون ضمن نطاق محلي. وهذا ما يغيب عن المشهد العربي.

اليوم نحن نشاهد ونسمع الكثير من الأصوات العربية المهتمة بمجال البيئة، والتي تتناول القضايا البيئية بمفهوم واسع جداً يتجاوز حدود المنطقة. بعض هذه الأصوات يستشهد أو يطالب بتطبيق حلول عالمية لتفادي حصول المشاكل في بيئتنا العربية. وعلى الرغم من نبالة هذا الرأي من حيث المبدأ، إلا أن الاتفاق معه غير ملزم منطقياً. يمكن شرح ذلك في الحلول البيئية المستخدمة مثلاً للتغير المناخي في أوروبا، هذه الحلول رغم صلاحيتها وجودتها إلا أنها تناسب البيئة هناك، وتطبيقها في بيئة صحراوية هو نوع من العبث الحضاري، والذي لا يختلف عن ما حدث في السابق من نقل لحلول غربية وتطبيقها في بيئتنا ومن ثم التعامل مع مشاكلها. لذلك يجب علينا أن ننظر لهذه المشاكل وحلولها ضمن إطارها المحلي.

قد يكون السؤال الأهم هنا هو: كيف يمكن لنا ذلك؟ والإجابة على هذا السؤال الكبير والمهم تتطلب خطوة أساسية، وهي إنشاء مراكز دراسات بيئية متخصصة ومتطورة. لا نقصد تلك الهيئات أو الاتحادات الصورية والتي تعتمد على التقارير العالمية، بل نقصد نقل التقنية المتطورة في رصد الأوضاع البيئية من التجارب العالمية إلى بيئتنا المحلية وتطبقيها على واقعنا. هذا الأمر يتطلب الكثير من الجهد في عملية النقل والتعديل والتطوير بما يتناسب معنا أولاً، ومن ثم وبناءً على تلك النتائج يمكن لنا أن نحكم بصحة الحلول المقترحة أو المستوردة من عدمها، بل سنتمكن أيضاً من ابتكار مسارات لحلول بسيطة ومحلية في ظل تركيز الجهد والدعم. بدون هذه الخطوة، نعتقد برأينا أنه لا يمكن تفعيل دور مهنة العمارة في التعامل مع الكوارث الطبيعية ضمن نطاق بيئتنا، وبدون هذه الخطوة نعتقد، أن دور معماري البيئة سيظل مرتبط بمسألة تنسيق المواقع وتجميلها، دون أن نتعمق أكثر في لب هذا التخصص المهم والحيوي.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الثامن للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر