تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

بين العاطفة والعقلانية:‏ نظرة على اتجاهات العمارة التقليدية عالمياً

 

ربما تعد قضية العمارة التقليدية أو المحلية أو العامية من أكثر القضايا تداولاً وجدلاً في الوسط المعماري. فهذه القضية الأزلية لا تزال تظهر بشكل أو بآخر مع كل تقدم تحققه البشرية وكأنه قدر محتوم! لكن ما الذي يجعلنا نفكر في هذا الاتجاه؟ هل هو نوع من العاطفة للمكان أو الماضي أو حتى للطبيعة والأرض؟ أم هو صوت عقلاني لما يجب أن تكون عليه العمارة؟ في هذا العدد سنحاول فتح بعض الأبواب.

 

أزمة تعريف! من أين نبدأ؟

على الرغم من تداول مفهوم العمارة التقليدية بين أوساط الكثير من المعماريين أو المختصين، إلا أن هذا التداول يبدو متعارف عليه بالفطرة! بمعنى أننا عندما نستخدم مصطلح "عمارة تقليدية" بين المعماريين فنحن حتماً نقصد عمارة محلية. إلا أن هذا المفهوم البسيط يجعلنا نعيد التفكير إذا ما تم التعمق أكثر في مفهوم المصطلحات ومقارنتها مع المصطلح الإنجليزي. فعلى سبيل المثال هناك عدد من المصطلحات المستخدمة في اللغة الإنجليزية والتي تفصل بين اتجاه وآخر، خذ مصطلح (traditional) والذي نترجمه لدينا ب(التقليدية)، وهناك مصطلح (vernacular) والذي يترجم للعربية بـ(العامية)، وهناك مصطلح آخر هو (indigenous) وهو ما يمكن ترجمته للعربية بـ(بلدي) أو ربما (عفوي). لا تقف الإشكالية عند تعدد المصطلحات، ولكن تقف عند شمولية التعريف بين المصطلحات العربية الثلاثة، بينما تختلف بالنسبة للمصطلحات الإنجليزية! هذه الشمولية تضعنا أمام معضلة في فهم واستيعاب مفهوم العمارة المحلية بأنواعها وكيفية توظيفها. وقبل أن نستعرض التعريف لهذه المصطلحات، دعونا نتناول بُعد آخر من هذا المنطلق.

 

الهوية أم البيئة

في السنوات الماضية ظهر اتجاه العمارة البيئية والخضراء كنوع من الاتجاهات الفكرية عموماً بما في ذلك العمران، كونه – أي العمران - أحد أكبر مصادر التهديد للبيئة والمناخ في العالم. هذا الاتجاه توسع بشكل كبير في عملية الإنتاج المعماري ليشمل العمارة المحلية كنوع من الممارسة المحلية لتحقيق بيئة مناسبة ومتوافقة مع البيئة. إلا أن المعيار في هذا التضمين هو تحقيق بيئة متوافقة بغض النظر عن العوامل الأخرى التي يمكن أن تكون ضمن الإنتاج العمراني، كالمفردة المعمارية ودلالتها البصرية لهوية المكان. فلو تم بناء مسكن من الطين في صحراء سيكون متوافق بيئياً بغض النظر عن الشكل أو التكوين الخارجي. هذه القناعة تختلف نوعاً ما عند بعض المعماريين الذين ينظرون نحو الهوية بشكل أكبر من البيئة. وهو ما يعني أولوية تجسيد التكوين البصري للعمارة نفسها مع تحقيق نجاحات بيئية أو مناخية. فلسفة هذه الاختلافات تظهر عند محاولتنا قراءة التوجه العام للعمارة المحلية، فهل نحن ملزمون لتجسيد الهوية ومن ثم البيئة؟ أم أن الهدف هو تحقيق عمارة بيئية؟ قد يرى البعض أنه يمكن تحقيق الهدفين بدون تعقيد كما حصل في الماضي، وعلى الرغم من صحة ذلك، إلا أنه يبقى الفرق بين اليوم والماضي في أن هذا التوجه يعد خيار وحل بديل، عكس ما كان عليه في السابق كأسلوب وحيد ومتفرد لا يمكن البناء بدونه. وهنا مكمن مهم جداً لاستيعاب تطبيقات العمارة المحلية، سواء من حيث التكلفة، الجدوى، والتشغيل على المدى الطويل. وهو السبب وراء عدم اقتناع الكثير من المجتمعات بدعوى الرجوع إلى العمارة المحلية السابقة خصوصاً في المساكن، رغم أن المساكن هي نقطة الانطلاق الأولى لتطبيقات العمارة المحلية بالمقارنة مع المباني الخدمية الأخرى كالمستشفيات والمطارات والمكاتب الإدارية وغيرها. ولا يعني ذلك فشل العمارة المحلية لدينا! نقصد العمارة المحلية هنا بمفهومها التطبيقي القديم (المادة والتقنية)، حيث نجحت بعض التجارب ولكن بشكل جزئي، كما هو في بعض المطاعم أو المقاهي أو حتى بعض المتاحف والتي عادة ما تكون ذات تشغيل متوسط. الأمر الذي يجعلنا نتساءل حول إذا ما كان الاتجاه التقليدي (وليس الأخضر) عاطفي أم عقلاني؟!

 

نعود للفروقات

يعرف أستاذ العمارة (بيترو نونزيانت) من جامعة (نابولي فيدريكو الثاني) بإيطاليا -أقدم جامعة حكومية عرفها التاريخ- الفروقات على النحو التالي، العمارة العامية أو (vernacular architecture) على أنها (طراز معماري يحاكي أسلوب العمارة التقليدية للمنطقة) بينما يعرف العمارة التقليدية (traditional architecture) بأنها (نمط العمارة قبل التطور الصناعي والحداثة، وهي ليست منشئة بواسطة المعماري بل الحرفي مباشرة. وتتعلق بالثقافة الملموسة للمجتمع واحتياجاته ومتطلباته، حيث يتم بنائها وفق مواد وأشكال مختارة من الخبرة ومبنية على التقنيات اليدوية وبدون مكونات صناعية). بينما يرى أن العمارة البلدية أو (indigenous architecture) على أنها (عمارة عفوية تستجيب للظروف المناخية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة). وعلى الرغم من أنك قد تختلف أو توافق هذه التصنيفات، إلا أن ظهور مصطلحات جديدة مثل العمارة المستدامة أو الخضراء أو الإيكولوجية ما هي إلا لمحاولة إضافة فروقات بسيطة هنا وهناك، بل أن هناك الكثير من المختصين حول العالم الذين يصفون الأعمال المعمارية العامية الحديثة بمصطلح(neo vernacular architecture)، في محاولة للفصل الزمني بين العمارة العامية في الماضي والعمارة العامية في الحاضر. ولا يختلف ذلك عن التصنيفات الأخرى التي أشرنا لها.

 

 

ماذا عن مظلة البناء الكبرى؟

تبقى إشكالية التعريف كما أشرنا إليها حتى بعد توصيفها وشرحها حسب رأي الدكتور (بيترو). هذه الإشكالية تكمن في استخدام نفس المصطلح لتخصص آخر وفي مجال العمارة والبناء، فالمهندس المدني أو الإنشائي يستخدم مصطلح (تقليدي) لتقنية وأسلوب البناء وليس للمادة، فالحوائط الحاملة سواء كانت من الطين أو الإسمنت هي بناء تقليدي في نظر المهندس المدني، بينما ووفق قياس المعماريين، فإن وجود الخرسانة هو أمر حديث ومعاصر لا محالة، ولا يمكن وصفه بالتقليدية. يتطور هذا الأمر لدينا في المملكة العربية السعودية عند استخدام كلمة (شعبي) في وصف المباني. فهذا المصطلح دارج في كثير من المناطق وإلى فترة قريبة، ويعبر عن بناء من الطوب والخرسانة بأسقف ذات عوارض خشبية. ولو حاولنا تصنيفه وفق المصطلحات الثلاثة السابقة، لوجدنا أنه (بلدي) أو (عفوي) أو (indigenous architecture). ينطبق هذا الأمر على المساكن العشوائية التي نراها اليوم في مجتمعنا المحلي، فهذه المساكن يمكن وصفها بأنها عشوائية من حيث التخطيط العمراني والحضري، وعفوية من حيث المنظور المعماري، بل يمكن اعتبارها تقليدية إذا ما بنيت على يد حرفي بدون وجود معماري، ويمكن أن تكون متوافقة بيئياً إذا تم استخدام مواد بيئية محلية وحلول مناخية.

 

خيارات متاحة:

لعلنا حاولنا في السطور السابقة أن نضعك في عدد من الجوانب والزوايا التي يمكن من خلالها أن ترى هذه المفاهيم وطريقة عملها على أرض الواقع. ولعلنا نستخلص أيضاً، أن الاتجاه التقليدي أو العامي أو العفوي أو الحديث أو المستدام، هو اتجاه وخيار من ضمن عدد من الخيارات. فالمسألة هنا لا تتعلق بالوجدان أو الثقافة المفروضة، بل يجب أن تكون نابعة من احتياج المجتمع نفسه، وليست كذلك عقلانية لأنها قد تتعارض مع كثير من الحلول ذات الجدوى العالية. إلا أنها تبقى خيار للمعماري نفسه أو خط خاص يمكن أن يطوره، ولكن حتماً ليست قضية عمارة عامة يجب على الجميع إتباعها. فقد يكون من المفيد لنا لو أننا تخيلنا ماذا سيحصل لو أن الإمكانيات والخيارات توفرت لأسلافنا في الماضي؟ هل ستكون عمارتهم كما وصلت إلينا؟ أم أنها ستتغير بفعل التطور والإمكانيات؟ إجابتك على هذا السؤال قد ترسم لك خطك واتجاه المعماري كما تحب أن تراه أنت. ولهذا السبب، كانت العمارة وستظل نسبية.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الثامن للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر