تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

الحل الآخر:‏ الهجرة نحو المدن الثانوية

September 10, 2018

 

يتداول الكثير من المختصين في مجال التخطيط والتنمية حل آخر تنموي بديل للشباب الذي يسكن في المدن الكبرى، هذا الحل يدور حول مفهوم تقليل حجم المنافسة ورفع إمكانية توفير الفرص للحياة والعمل والاستقرار من خلال الانتقال من المدن الرئيسية الكبرى إلى المدن الثانوية. وعلى الرغم من منطقية هذا الطرح إلى أن هناك من يرى عدم جدوى هذه الخطوة, في ملف هذا العدد سنتناول هذه القضية من عدة نواحي.

 

ماهي المدن الثانوية؟

بشكل مبسط، يمكن تعريف المدن الثانوية على أنها المستوى الثاني في التسلسل الهرمي للمدن بعد المدن الرئيسية. فالمدينة الرئيسية هي المدينة (الرائدة) في الإقليم أو المنطقة، وعادة ما تكون أكبر من حيث الحجم وعدد السكان بشكل غير متناسب مع المدن الأخرى في نفس الإقليم أو المنطقة كما يرى ذلك (غودال، 1987م). وعلى الرغم من أن مصطلح (المدن الثانوية) انتشر في سبعينيات القرن الماضي، إلا أن هذا التعريف ارتبط بمفهوم عدد السكان كأن يكون (100) ألف على الأقل. بينما يحدد برنامج الموئل للأمم المتحدة عدد سكان المدن الثانوية بين (100-500) ألف نسمة.

ومع ذلك، فإن تعريف المدن الثانوية يرتبط بعوامل أخرى وليس فقط بحجم السكان، فالمجال الإداري على سبيل المثال أو الأهمية السياسية والاقتصادية والتاريخية قد تلعب دور كبير في رفع مستوى المدن الثانوية بشكل ملحوظ. أضف إلى ذلك أن المدن الثانوية في بعض البلدان يتجاوز عدد سكانها هذا التصنيف، كما هو الحال في الصين أو الهند على سبيل المثال. بل أن النظرة الاقتصادية لهذه المدن الثانوية انتقلت إلى مستوى أعلى مما كان عليه.

 

الهجرة والهجرة العكسية:

يمكن القول بأن المفهوم أو التصور الذي ارتبط بالمدن الثانوية في القرن العشرين، هو التصور البسيط للحياة الهادئة والبعيدة عن صخب المدن الكبرى، في ظل توفر الحد المتوسط من الخدمات على كافة المستويات التي ترفع هذه المدن الثانوية عن المستوطنات الحضرية الأخرى كالقرى أو الأرياف. فالمدن الثانوية ليست قرى من حيث المفهوم التخطيطي، وإن تشابهت بساطة الحياة وهدوئها مع الريف إلى حد كبير.

لعل هذا ما دفع العديد إلى النفور من المدن الثانوية باعتبارها قرى. الأمر الذي أدى إلى الهجرة نحو المدن الرئيسية بحثاً عن الفرص في ظل تمركز التنمية في المدن الكبرى (كنا قد تناول هذا الموضوع في عددنا الأول للسنة الثانية)، ولذلك يرى البعض أن دعوة الانتقال أو الهجرة العكسية للريف عموماً هي حل للتخفيف من ضغط المدن الكبرى. لكن ما الفرق بين الهجرة نحو الريف والهجرة نحو المدن الثانوية؟

تتميز المدن الثانوية كما أشرنا بحد أدنى من الخدمات التي تميزها عن الريف أو القرية، فالمطار المحلي على سبيل المثال أو مرور الطرق الإقليمية لهذه المدن يجعل منها مراكز تنموية محلية جيدة وتحديداً للشباب. خصوصاً إذا صاحب ذلك خطة تنموية مدروسة لتفريغ المدن الكبرى من بعض الفئات المهنية والأنشطة التجارية تجاه هذه المدن الثانوية.

حتى وإن لم يكن هناك تصور أو رؤية مستقبلية لمثل هذا التفعيل، فعلى المستوى الفردي، قد يكون الانتقال للمدن الثانوية ذا جدوى عالية مقارنة بالمدن الرئيسية، سواء من حيث توفر الوظيفة أو تدني مستوى المنافسة للعمل التجاري أو حتى من حيث امتلاك المسكن والادخار. فالمقابل، هناك من يرى عدم جدوى ذلك من حيث التنمية، سواء على المستوى الفردي أو حتى على المستوى الوطني، وفيما يلي أبرز السلبيات التي يمكن استخلاصها من الرأي الغير مؤيد لهذا التوجه:

 

أولاً: العزلة الحضارية:

من المعروف أن الجميع يرغب في أن يكون في قلب الحدث، ولذلك تمثل المدن الكبرى والرئيسية المسرح الأكبر للنشاط الحضري. فالأنشطة والفعاليات والخدمات والمراكز وغيرها كلها تدور في المدن الرئيسية باعتبارها نقطة الوصول الأولى. هذه الحقيقة تجعل من المدن الثانوية مدن منعزلة عن الحدث واللحظة، ولذلك يرى أغلب السكان وخصوصاً الشباب منهم، أن التواجد في مثل هذه المدن الثانوية هو نوع من الحياة على هامش الحياة وتفويت الفرص الكبرى والممكنة. وبالتالي البقاء في المدن الرئيسية للارتباط الحضاري يعد أكثر أهمية من الحياة ضمن مستوى أقل حضارياً.

 

ثانياً: غياب البنية التحتية والخدمات:

يرى البعض أيضاً، أن تدني مستوى الخدمات والبنية التحتية في المدن الثانوية، يعد أحد أهم الأسباب وراء عدم جدوى الانتقال إليها من المدن الرئيسية. فنتيجة لتمركز التنمية في المدن الرئيسية لسنوات طويلة واستمرارها حتى يومنا هذا في كثير من البلدان، جعل فارق مستويات الخدمات في المدن الرئيسية وبين الثانوية كبير جداً بحيث لا يقارن. الأمر الذي يتطلب سنوات طويلة ومبالغ طائلة لرفع مستوى الخدمات في هذه المدن الثانوية بشكل مقبول ومرضي.

 

ثالثاً: العامل الاجتماعي:

يلعب العامل الاجتماعي دور كبير في العزوف عن المدن الثانوية، سواء كان من حيث التحفيز للانتقال منها نحو المدن الكبرى بحثاً عن الفرص الوظيفية، أو من خلال رفض المحيط العائلي أو الأسري الانتقال إليها كموطن جديد بعيد عن المدينة التي تسكن بها الأسرة. ولا يقف العامل الاجتماعي عند هذا الحد، فحتى على مستوى المدن الثانوية يكمن عامل آخر مهم يتمثل في (التكتلات الاجتماعية)، فمن المعروف أن المدن الثانوية هي مدن يسكنها عدد من أفراد الأسرة الواحدة أو القبيلة الواحدة، والتي عادة ما تكون قريبة جداً من القرى الأصلية. هذا التكتل قد يكون عائق في مواضيع الامتلاك وبيع الأراضي، خصوصاً في تلك المدن الثانوية البعيدة عن المركز الحضري للمنطقة أو الإقليم. الأمر الذي يجعل إمكانية التملك صعبة حتى وإن كانت الأسعار متدنية.

 

رابعاً: المخاطر الاقتصادية:

تكمن المخاطر الاقتصادية في مسألة الاستثمار التجاري، والسبب يعود إلى قلة عدد الفئة المستهدفة مقارنة بحجم عدد سكان المدن، هذا التدني قد يكون عائق للكثير من المشاريع التجارية، خصوصاً تلك التي لا تمثل الاحتياجات الأساسية، سواء كانت منتجات أو خدمات. فالمكاتب الهندسية أو خدمات المقاولات أو حتى الصيانة تواجه صعوبات من حيث الاستمرارية في مقابل الأنشطة التجارية الأخرى كالمتاجر والصيدليات أو حتى المستوصفات الخاصة.

 

خامساً: الجمود المهني:

يرى البعض أيضاً أن المدن الثانوية تعد بمثابة وأد للارتقاء الوظيفي، خصوصاً أنها بعيدة عن المركز الإداري الأساسي، والذي عادة ما يكون في المدن الرئيسية. هذا الجمود يأتي لانعدام التواصل أو بناء العلاقات المهنية أو حتى الملاحظة المباشرة للإنتاج. بل أن البعض الآخر يرى أن المدن الثانوية بهذا الهيكل التنظيمي العميق، قد تكون بيئة مناسبة للكثير من التجاوزات أو استغلال السلطة الوظيفية لتحقيق الأغراض الشخصية، ولذلك يفضل الابتعاد عنها.

 

 

جانب مشرق:

على الرغم من تناولنا لعدد من السلبيات التي يطرحها أصحاب التوجه المضاد للانتقال للمدن الثانوية، إلا أنه يمكن تسليط الضوء على بعض التجارب المشرقة في هذا التوجه، والتي حملت في طياتها الكثير من الحلول أو حتى بوادر الحلول لحل الإشكاليات أو معالجة السلبيات. ومن هذه التجارب:

 

أولاً: التجربة العسكرية:

أثبتت التجربة العسكرية على مستوى العالم، مدى إمكانية انعاش اقتصاديات ومجتمع المدن الثانوية، فنتيجة للمتطلبات الاستراتيجية أو العسكرية للتواجد في مناطق ذات مميزات معينة، كانت المدن الثانوية الخيار الأمثل للكثير من القواعد العسكرية. الأمر الذي ساهم في تعزيز ورفع مستوى الخدمات لهذه المدن بشكل كبير جداً سواء من حيث الخدمات البلدية أو الحكومية أو حتى الخدمات والأنشطة التجارية. وهو ما يمكن مشاهدته في عدد كبير من المدن الثانوية.

 

ثانياً: التجربة الصناعية:

ولا تختلف التجربة الصناعية عن التجربة العسكرية، فالكثير من الأنشطة الصناعية ساهمت في تغيير ملامح المدن الثانوية بشكل كبير جداً، وعلى الرغم من أن البعض يرى بعض التفاوت بين ما تقوم به هذه الجهات الصناعية سواء كانت خاصة أو حكومية تجاه منسوبيها وما بين ما تقدمه البلديات تجاه سكان المدينة الأصليين، إلا أن الفكرة ممكنه من حيث التطابق، واختلاف الأداء يعود للإمكانيات والدوافع بين هذا وذاك.

 

ثالثاً: تجارب أخرى:

هناك العديد من الأمثلة التي يمكن أن تساق في عملية تطور المدن الثانوية، كالتجربة التعليمية والمتمثلة في الجامعات أو الطبية أو غيرها من التجارب التي تعتمد على نقل منشأة أو خدمة معينة من المدن الرئيسية إلى إحدى المدن الثانوية، وبالتالي تفعيل إمكانية النمو لهذه المدن الثانوية. ولا يقتصر الأمر على المنشئات والخدمات الحكومية. فهناك العديد من التجارب التجارية التي ساهمت في تفعيل هذه المدن الثانوية وبدوافع اقتصادية وإنتاجية ساهمت في تقديم خدمات ومنتجات منخفضة السعر، كما حدث مع عملاق صناعة الأثاث (إيكيا) أو وادي السليكون في بدايته، أو كما يحدث اليوم في الصين. فمن المتوقع أن يصل عدد المدن الثانوية في الصين والتي يزيد عدد أفرادها عن (1) نسمة إلى (221) مدينة بحلول عام (2030م)، الأمر الذي دفع الصين نحو البدء بأعمال تطوير هذه المدن الثانوية، لتكون بمثابة مراكز تنموية تساهم في تحقيق اقتصاد مستدام.

 

من زاوية عربية

قد يكون من المهم أن نقر بأن المدن العربية الرئيسية، وتحديداً الخليجية ليست بذلك السوء من حيث تفاقم المشكلة الحضرية أو زيادة عدد السكان، صحيح أن هناك عدد من المشكلات الحضرية التي تتشابه مع المدن الأخرى، إلا أن هذه المشكلات ليست نتيجة لتفاقم الوضع بقدر ما هي مشكلات ناتجة عن سوء إدارة وتخطيط المدينة العربية والخليجية. ربما سيكون من الصادم أن نقول بأن المدن العربية الرئيسية لا يمكن أن تقارن بمدينة ثانوية في بلد آخر! لا من حيث المساحة ولا من حيث عدد السكان أيضاً. ومع ذلك فطرح هذا المفهوم لدينا – أي الانتقال من المدن الرئيسية إلى الثانوية – يجب أن يوضع في مساره الصحيح والمتمثل في التوازن العمراني المحلي بين المدن الرئيسية والثانوية والريف. هذا التوازن يمكن أن يأتي على هيئة تنمية محلية تهدف للحد من الهجرة الداخلية وترفع مستوى الخدمات في المدن الثانوية والريف للسكان الأصليين. مع إتاحة فرصة وخيار الهجرة العكسية. ليس هروباً من الواقع في المدن الكبرى، ولكن بحثاً عن رفاهية الحياة أو العيش بمميزات بيئية وصحية كما يروج لها اليوم في بعض الدول. هذا برأينا ما يجب أن يكون عليه اتجاه تنمية المدن الثانوية: (أن تكون دائماً الخيار الأفضل من المدن الرئيسية).

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الثامن للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر