مساكننا التقليدية:‏ أبواب محصّنة بشيفرات مُعلّمَة وأخرى ضمنيّة

September 3, 2018

 

ينفتح "الباب" على عدد من المعاني والدلالات والإشارات. فهو دال ومدلول معاً. يعطي المعاني بشكلها المباشر أو يتخفى وراء الاستعارات في كثير من الأحيان. ليسعي هذا العرض إلى ترصّد السكن التقليدي التونسي في امتداداته الرمزيّة انطلاقاً من قراءة بعض عناصره المعمارية واقتفاء أثر الدلالات المضمرة في الطقوس المرتبطة به. ويكشف المعطى اللغوي نفسه اعتماداً على جذر الكلمة الثقل الرمزي للسكن، إذ يتجاوز تمثّله كمجرّد حاو وظيفي للإحالة على رموز الاستقرار والحميمية والسكينة، وهو ما تجسّده لحظة التأسيس عبر الطقوس التي بمقتضاها يدشّن البناء.

ويحضر الباب بشتّى أجزائه وخصائصه بوصفه العنصر الأكثر كثافة في التعبير عن السكن التقليدي تعييناً وترميزاً، وما الانفعال الخاصّ في التعامل مع العتبة وتلك الفتحة المعروفة بـ"الخوخة" واللجوء إلى تعليق بعض الرموز المادية كالقرون والخمسة إلاّ إحالات على نظام دلالي بصريّ و فضائيّ قد أحكم المجتمع شحنه.

وإذا كان الباب الكبير المغلق مع الجدران العالية الصمّاء والسقيفة المظلمة الخالية توحي جميعها بالانغلاق ورفض الفضوليين والغرباء، فإنّ وسط الدّار ينطوي على معنى مقابل حيث تتدفّق فيه الحركة متجاوزة التقطيع الهندسي الوظيفي للفضاء، فإذا نحن حيال عالم مفتوح فسيح: ساحة مكشوفة رحبة للانطلاق من كلّ إحاطة، هي بمثابة عين شاخصة واسعة للذكريات والخيال والأحلام، كي يغدو التواصل بين النموذج السكني المادي والنموذج الكوني الرمزي اندماجاً وانصهاراً.

فالباب من وصفه المباشر صنو البيت بمعناه المحدد، لكنه يتسع إلى معانٍ كبيرة ودلالات عميقة، فالحياة فيها أبواب غير أبواب البيوت، وللسماء بابها الواسع و«على باب الله»، إلخ... إذن فالباب وريث الواقع والرمز والمجاز، وهو من الضرورات الاجتماعية والنفسية قبل أن يكون من الضرورات الكمالية التي تتطلبها وقائع البيوت، مَن كان منها فقيراً أو غنياً. فالثقافة العامة تعكس النوع الاجتماعي بالنتيجة للأبواب ومشتقاتها الرمزية ومعانيها المطردة. لهذا فالباب كواقع مادي هو مفتاح البيت وحارسه ومفكُّ أسراره ولغزه الأول ومدخله وممره المباشر. الباب بهذه الصيغة هو إدراك المستدرك لما هو غامض في البيت من مكونات ومكنونات وخفايا وأسرار صغيرة وكبيرة؛ أي يكون بصيغة العنوان الدال لمدلول معلوم؛ لهذا قيل إن البيت يُعرف من بابه.

يحضر الباب بعناصره الإنشائية والزخرفية بوصفه الجزء الأكثر كثافة في التعبير عن السكن تعييناً وترميزاً وتشكيلاً، وإذا كان حضوره هندسياً لا يكتمل إلاّ في أواخر مراحل عملية البناء، فإنّ تمثّله يبدو واضحاً منذ البداية لا سيما عبر التعامل مع موضع العتبة بكثير من مظاهر الخشية والانفعال، فيتمّ تخصيصه دون غيره من الأجزاء والوحدات المعمارية بطقوس عدّة تختلف العناصر المستخدمة فيها، إلاّ أنّها تتجانس في تمثّل ضرب من العلاقة الحتميّة القدرية بين ما يعتقد أنّه "طبيعة العتبة" ومستقبل المسكن وساكنيه. وما الانفعال الخاصّ في التعامل مع العتبة والفتحة المعروفة "بالخوخة"، واللجوء إلى تعليق بعض الرموز المادية كالقرون والخمسة و"الحوته" إلاّ إحالات على نظام دلالي بصريّ وفضائيّ قد أحكم المجتمع شحنه. ولعلّه وبفضل عناصره المادية الوظيفية والرمزية يتحوّل الباب إلى نظام دلالي بصري وفضائي فيه أنماط مختلفة من التعبير كالرسم والحفر والكتابة.

تعدّ النقوش الرّمزية المختلفة التي ميّزت جلّ أشكال الزينة المستعملة على واجهات مداخل أفضية الحوش التقليدي (الواجهة الأمامية للمدخل ومداخل الغرف والأبواب) مثل اليد، الخمسة، الهلال والنجمة الخماسية والحوتة التي تشير إلى أن المكان مفتوح ثقافياً وغير مغلق على نفسه. ومن جهة أخرى يراد من ذلك طلب البركة وطرد العين والحسد.

ولغاية المحافظة على بناء المجتمع التقليدي، تنشأ عدداً من الرموز من الطوطم والتابو (هما معتقدين سحريين) مؤداها قانون التبجيل والتحريم. وكلّ "عشيرة" ويقابلها طوطم يكون محط تحريم وتقديس ومعتقد سحري، وتكون التمثلات الرمزية كفيلة بطرد الأرواح الشريرة ومصدر إسعاده وتحقيق رغباته مثلاً. وذلك لظنّه أنه يسنده قدرة خارقة.

على اختلاف أشكالها، تمثّل الرموز المعلّمة طابعاً فنياً متجانساً مع مكوّنات الزخرفة الحفرية (الغائرة والناتئة) والزخرفة المركبة بهذه الوحدات السكنيّة التي يطغى عليها الطابع العقدي. فكلّ هذه الرموز التي تزيّن الباب وإطاره تعكس قيماً ثابتة بالمجتمع التقليدي، فيتحوّل الباب إلى قيمة في حدّ ذاته لا يدلّ على هوية متساكنيه فقط بل يعكس هوية مجتمع بما يحمله من معتقدات متوارثة.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي