مجلس الحي

 

الخيام لا زالت تُنصب وسط الأحياء السكنية لأغلب المناسبات، سواء للأفراح منها أو الأتراح، تعرقل جزءاً من حركة السير، تبعث منظراً غير متناسق مع تطور العمران، تمديد الكهرباء لها من خلال كابلات على أرضية الشارع، تتم تغطيتها ببعض الصفائح والأخشاب وشيئاً من الرمل، والسبب أنها مؤقتة ولن تدوم إلا ثلاثة أيام بحد أقصى، وكلما انكشف جُزءٌ منها سارع أصحاب المصلحة – وفي الغالب هم أهل العزاء أو الفرح- لردمها، رغم كل انشغالاتهم لابد أن تكون أعينهم على أسلاك الكهرباء لأنها كهرباء قاتلة، وأما توفير الماء لهذه الخيمة فله قصة أخرى، خزان علوي قديم ومستعمل، يتم رفعه على قاعدة من أعمدة الحديد لضمان تدفق المياه، و مياه تنبع من أنابيب مستعملة ومغاسل متهالكة وذلك لأنها مؤقتة، تصريف المياه له حالتان إحداها من خلال حفرة مؤقتة في الأرض، والأخرى ظاهرة للعيان وذلك لأنه في النهاية ماء وإن كان ملوثاً بشيء من زيوت الطعام، وأما دورات المياه ففي الغالب يصعب إيجادها خلال ثلاثة أيام وإزالتها، فترى أن الخيام لا توجد بها دورات المياه، وعلى المحتاجين مغادرة المكان بأسرع وقت ممكن.

هذا واقع الخيام المؤقتة – على الأقل في دولة الإمارات- ويمكن مشاهدتها بهذه التفاصيل في أي مناسبة عزاء، وهذا الواقع مستمر ويتمدد باتساع العمران، ما عدا بعض الحالات الفردية كمجالس الضواحي في إمارة الشارقة، كما في بعض المجالس في أبوظبي ودبي وبعض المجالس الخيرية في بعض الإمارات الأخرى، ولا شك أن الحديث يشمل كل دول الخليج ماعدا بعض الاستثناءات، وإذا كان الواقع كذلك فدعونا نطرح البديل الذي يمكنه أن يقلب الواقع إلى حلم، ليس مجرد توفير مكان للمناسبات لمدة ثلاثة أيام، دعونا نعتبر المجلس الدائم "مركز مجتمعي" لا يقتصر على المناسبات، ولكن يشمل كل الأنشطة والفعاليات.

مجلس الحي ليست بدعة في المجتمع الخليجي، لكنه متوارث أباً عن جد، فقد كانت هناك مجالس معروفة مشهورة يجتمع فيها الناس، سواء كانت لحكام المنطقة أو للأعيان فيها، ولكن مع التوسع العمراني وتفكك كبير للمجتمع أصبح من الصعب الجلوس في مجالس خاصة، وعليه ظهرت هذه الحاجة لمكان يجمع الناس في المناسبات، ولا تقتصر على دول الخليج، حيث أن إخواننا في مصر يعانون من نفس المشكلة، وذلك أن المساكن مهما كبرت فلن تستوعب أعداد الزائرين في الأفراح والأتراح، ما بالكم إذا كان هذا المسكن شقة، ولكن في مصر ارتبطت هذه المجالس بالمساجد وأصبحت تسمى بدار المناسبات، لكن تبقى السلبية الكبرى فيها أنها مرتبطة بمسجد، حيث لا يمكن استخدامها في العديد من الأفراح، وعليه فتقتصر أنشطتها على العزاء، وترتسم حولها صورة قاتمة أنها مرتع للأحزان، وكلما مر أحدهم بها قال أعوذ بالله من هذا المكان.

هناك مشكلة محسوسة يراها الجميع وهي عدم توفر أماكن للمناسبات، ووجود الخيام المؤقتة، ولكن هناك أيضاً مشكلة غير ملموسة وهي ضعف الانتماء للحي، وتباعد الجيران، وقلة التواصل بين الأطفال، وعلينا من خلال بناء وتفعيل مجلس الحي أو المركز المجتمعي للحي، معالجة الأولى وتنمية الأخرى، وعليه فإن المجلس أو المركز يجب أن يكون إبداعي يقع في قلب كل حي سكني، مكان يتعارف فيه الجيران، ويلتقي فيه الأطفال، مكان تتبادل فيه الآراء، ويتطور فيه الحي السكني باستمرار، مكان لإدارة الحي إذا كانت هناك مناطق مشتركة، كالحدائق والسكك والممرات، مكان يشعر فيه أهالي الحي أنهم عائلة واحدة، يجتمعون فيه في الأفراح والأتراح، يقفون إلى جانب بعضهم ويواسونهم في العزاء والأحزان، يفرحون مع بعضهم في الأعراس وحفلات التخرج والمسرات، يسألون عن جيرانهم إن غابوا، يقيمون لهم الولائم إن عادوا، والأهم من كل ذلك تمكين الناس ومشاركتهم في القرارات الخاصة بالحي السكني، فيمكن للحكومات المحلية والبلديات الاستفادة القصوى من خبرات أهل الحي، ففيهم الدكتور والمهندس والأستاذ الجامعي، ومجموعة كبيرة منهم متقاعدون لديهم من الأوقات الكثيرة في طرح الأفكار، وإنجاز المبادرات، كما أن لديهم القدرة للمساهمة المادية أيضاً في سبيل الارتقاء بالحي السكني، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بتعزيز الانتماء للمكان من خلال مجالس ومراكز تجمعهم.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي