تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

حكاية البيتزا والمدينة

September 3, 2018

 

لدي طقوس تبدو غريبة بعض الشيء أمارسها حين أتجوّل في أواسط المدن العريقة، فأنا أعشق البحث عن "طبيعة الأماكن" بحقيقتها التي شكّلت تركيبة المدينة منذ بداية نموها إلى أن باتت جزء من جسد الحياة التي عاشها الناس وشيدوها وفقاً لاحتياجاتهم ومتطلباتهم ونمط علاقاتهم وأسلوب تعايشهم مع محيطهم العمراني، بعد التعرف على هذه الأماكن ابدأ في خلق سيناريوهات تخيلية للأحداث التي مرت بها وكأني أرى أولئك الأشخاص الذين عمروها وقطنوا بها، أشعر بأني أسمع أصواتهم، وصدى حَدْوَات خيولهم، وحتى أصوت أجراس كنائسهم.

في أحد الأيام كنت مع زميل في رحلة عمل إلى مدينة "فلورانسا" وخرجنا في المساء لتناول العشاء، واقترحت عليه أن نذهب مشياً على الأقدام لوسط المدينة القديمة ونبحث عن أقدم محل للبيتزا، كان ولازال لدي هوس كبير بمحلات البيتزا التي تضع على لوحتها عبارة  "since" أي منذ تاريخ طويل ليبرهن مالكها بأنه يمتلك القدر الكافي من الخبرة والتجربة والمهارة التي تؤهله للظفر بثقة اختيارك، بعد أن قطعنا مسافات طويلة بين سرادق المدينة وجدنا أقدم محل للبيتزا متهالك ومختبئ في زاوية مظلمة بنهاية ممر ضيق خلف إسطبل صغير ومهجور، هذا المحل لا يعمل سوى يومان في عطلة نهاية الأسبوع وتديره امرأة عجوز اسمها "راشيل" وحفيدها.

بالنظر من خلف بابه الخارجي، هذا المطعم لا تتجاوز مساحته (9) م2، ولا يوجد به سوى كرسيان ومنضدة، يلفت نظرك تلك اللوحة السريالية المعلقة على جداره لفيضان نهر "أرنو" في عام (1966م)، وصورة أخرى يبدو أنها لعائلة السيدة "راشيل" التي حافظت على تقاليد هذا المطعم العريق والذي يمثل بذاته أرشيف وطني ومكتبه وثائقية لتاريخ فلورانسا وذاكرة حقيقية لحقبة من الزمن مرت بها تلك المدينة. من سوء الحظ لم نتمكن من شرف تناول تلك البيتزا العريقة لأنه مغلق وفي طريقه إلى التخلي عن عرش البيتزا والتحول إلى متحف صغير، هذا المحل لم يستطع الصمود وتنازل عن كل تلك السنوات التي مرت.

هل تساءلتم يوماً لِمَ نحن في كثير من الأحيان نشعر بالاكتئاب والحزن والمزاج السيء؟، ولِمَ لم نعد نرى ذلك الآخر ونتعايش معه؟، ولماذا انكفأنا على أنفسنا وأغلقنا أبواب منازلنا؟، ولأي سبب صرنا نتحين الفرصة للسفر ومغادرة مدننا للبحث عن مجال نفسي ومعنوي أكثر إيجابية؟، كل ذلك لأننا غادرنا طبيعة مدننا، وهاجرنا إلى الضواحي، بحثاً عن العيش مع طبقة النبلاء، وغادرنا مطعم البيتزا، وتركنا السيدة "راشيل" تصارع من أجل البقاء، ليس في فلورانسا فقط بل في كل مدننا.

الشاهد في الموضوع أننا بتنا نعيش في مدن "مصطنعة" خُططت لنعيش فيها ولم نعيش لنخططها، نحن نحيى باتجاه نمو ضد طبيعة تفاعل الإنسان مع المكان، لم تمنحنا هذه المدن المزيفة فرصة بنائها وفق احتياجاتنا وبمقاييسنا الإنسانية المتعارف عليها وبأسلوب تراكمي متتابع ومتكامل، بل هي أشبه بصندوق مكعبات وضعنا فيه للعيش قسراً بمعزل عن الآخرين، وانتهى بنا المطاف للعودة لأواسط تلك المدن للبحث عن ذاتنا وطبيعتنا واجترار ذلك الماضي الذي خلّد تاريخاً عريقاً لمنهج بناء المدن وعمارتها، لا أدري إلى أين ستذهب السيدة "راشيل"، أخشى أن تأخذ وسط المدينة معها.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر