تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

تصميم وإدارة السلوك المستدام

September 3, 2018

 

لقد خطى التصميم المستدام (Sustainable Design)، كفكرة وتطبيق، خطوات كبيرة إلى الأمام في العشرين سنة الماضية. فخلال هذا الوقت، أتفق العالم أجمع على أنه يجب توحيد الجهود للحد من استخدام الطاقة وتوفير المياه والثروات الطبيعية بما يكفي من احتياجنا الحالي دون التجني على احتياجات الأجيال المستقبلية. ولكن ومع كل الجهود المبذولة، فإن الحاجة إلى مستقبل أكثر استدامة تتزايد يوماً بعد يوم، وأصبح هناك يقين لدى كثير من المعماريين ومدراء المرافق بأنه لا يمكن أن نحقق الاستدامة في البيئات العمرانية إلا بمساعدة نُظم المراقبة وإدخال تقنية المعلومات والحاسوب في عمليات التصميم المعماري وإدارة المرافق بشكل أكبر والاستفادة من التطور والتقدم التكنولوجي في مجال الاستدامة. ولكن ما يغفل عنه قلة من المعماريين ومدراء المرافق هو دور المستخدم وأن أهمية دوره لا تقل أهمية عن البحث عن أفضل الطرق والأساليب التكنولوجية في تحقيق الاستدامة. فقد بينت كثير من الدراسات بأن هناك علاقة طردية بين تحقيق مستويات عالية في الاستدامة تكون ذا أجل طويل وليس فقط لعدة سنوات وبين المستخدمين. لأنه بدون تطوير سلوك مستدام للمستخدمين سوف تصبح جميع التقنيات المستخدمة كالحد من استخدامات الطاقة ورفع كفاءة استخدام المياه ذو نتائج محدودة وغير فعالة. لذلك يجب على المعماريين ومدراء المرافق وضع خطط وبرامج لتطوير سلوك مستدام للمستخدمين ودمجها مع الخطط الاستراتيجية العامة لتحقيق الاستدامة في المنشأة وجعلها على نهج واحد وتطويرهم بشكل متوازي لتحويل المستخدم من لاعب سلبي لا دور له في تحقيق الاستدامة إلى لاعب نشط في تحسين الاستدامة في المنشآت. ولتحقيق ذلك، يتطلب من المعماريين ومدراء المرافق أن لا يقوموا بتصميم أو إدارة المباني فقط بل عليهم أيضاً تصميم وإدارة السلوك البشري ورسم السيناريوهات التي يجب أن تكون لطريقة تفاعل السلوك البشري مع تصاميمهم المختلفة واستراتيجياتهم المطبقة في إدارة المنشآت المختلفة. فهناك مجموعة لا حصر لها من أساليب التصميم المعماري واستراتيجيات إدارة المرافق التي من شأنها أن تكون قادرة على التأثير على سلوك المستخدمين والتي يمكن أن تقسم إلى فئتين أساسيتين: تشكيل سلوكيات تساعد على رفع الكفاءة وتشكيل سلوكيات تساعد على التقليص في الاستخدام.

الفئة الأولى من الأساليب التي تتطلب تشكيل السلوكيات التي تساعد على رفع كفاءة الاستخدام عادة ما تتخذ بوقت واحد وتكون ذا أثر طويل الأمد كاستخدام عوازل عالية الكفاءة أو استخدام الأجهزة التي توفر من استخدام الطاقة أو استخدام الأجهزة التي تقوم على تقنين التبذير في المواد المستخدمة في صيانة وتشغيل المنشأة، وبمجرد ما يتم تنفيذ مثل هذه القرارات فإنها تفرض على المستخدمين سلوك معين وتقوم بتشكيل سلوكهم بما يحقق الاستدامة بشكل غير إرادي. فعلى سبيل المثال، عندما يتخذ مدير المرافق قرار لتثبيت أجهزة تقنن من استخدام المناشف في دورات المياه والتي تعتمد في تشغيلها على الإيماءات الحركية والتشغيل الأوتوماتيكي بدلاً من الطرق التقليدية والتي تعتمد في تشغيلها على تقدير المستخدمين والتي تسمح لهم بسحب عدد لا نهاية له من المناشف، فإن هذا القرار سيساهم في رفع الكفاءة وتوفير وتقنين استخدام المناشف بشكل مستمر وسيساهم بتشكيل سلوك مستدام يهدف لاستخدام ما يجب أن يستخدم بأقل ما يمكن بدون بذل أي مجهود لتغيير سلوك الإسراف في استخدام المناشف، بل تم تغيير سلوك الاستخدام المسرف في المناشف بشكل غير إرادي وبشكل طبيعي. كما أن المعماري يمكن أن يلعب دور كبير في تشكيل السلوك المستدام، فيمكن أن يستخدم المعماري مُفردات العمارة المختلفة وربط وظائفها بالتأثير على سلوك المستخدمين، عن طريق التعرف على الروابط وطرق تفاعل المستخدمين بين هذه المفردات والقرارات التي سيتخذونها في استخدام هذه المفردات. على سبيل المثال، توفر النوافذ الموضوعة على الجانب الشمالي في المنطقة الوسطى في المملكة العربية السعودية مزيدًا من الإنارة الطبيعية لفترة الصباح وبالتالي يمكن إجبار المستخدمين من تقليل استخدام الإضاءة الاصطناعية والاعتماد بشكل أكبر على الإضاءة الطبيعية. وبالمثل، تحليل موقع المبنى وتوجيهه للرياح المُحببة (الجهة الشمالية أو الشمالية الشرقية) تساعد على توفير التهوية الطبيعية التي من شأنها أن تشكل سلوك المستخدمين في استخدام وحدات التكييف فبدلاً من استخدام وحدات التكييف لفترات طويلة وضبطها لدرجات برودة منخفضة جداً فإن توجيه المبنى الجيد يساعد بتقليل الحاجة إلى استخدام وحدات التكييف لفترات طويلة وضبط درجات حرارتها في نطاقات مقبولة.

على النقيض من ذلك، فإن الفئة الثانية من الأساليب التي تتطلب تشكيل السلوكيات التي من شأنها أن تساعد على التقليص في الاستخدام، فإنها تتطلب الجهد المتكرر والمتواصل لتعزيز الاستدامة، وسوف تشمل عدة استراتيجيات يجب تطبيقها وخاصة من مدير المرافق كالتدريب الميداني للمستخدمين ويكون بشكل متواصل لتعزيز سلوك معين كإطفاء الإنارة الغير ضرورية عند عدم الحاجة أو عدم ضبط وحدات التكييف لدرجات قليلة خارج النطاق المسموح به أو تحفيز المستخدمين من خلال مطالبتهم بفصل الهواتف وأجهزة الحاسب المحمولة عن أجهزة الشحن وتشغيلها على البطاريات لبضعة ساعات للوصول لهدف معين من استخدام الطاقة، وإذا تم الوصول إلى الهدف المنشود يتم مكافأتهم بتحويل الفارق لمكافاة مالية أو القيام بحفل تقديراً لجهودهم وحثهم أكثر على رفع مستوى الاستدامة في منشأتهم. أضف إلى ذلك، يجب على مدير المرافق توفير المزيد من الخيارات لنقل الصورة المباشرة لاستخدام المواد المختلفة لتشغيل المنشأة والتي يمكن دمجها في الاستراتيجيات المتبعة للتأثير على سلوك المستخدمين. مثال رئيسي على ذلك هو توفير نقل مباشر لطبيعة استخدام المواد التشغيلية (طاقة، مياه، مواد تنظيف، قرطاسيات) وتكون من مجموعة متنوعة من المصادر (سمعي، بصري) بشكل يسمح للمستخدمين بتتبع استهلاكهم وتشجعهم أكثر للوصول للهدف المخطط له من مدير المرافق.

العلاقات بين البشر والبيئات العمرانية تحتوي على جوانب من التأثيرات الاجتماعية والنفسية جنباً إلى جنب مع الآثار المادية؛ يستحيل النظر في العلاقة بين المستخدمين والعمارة كشارع ذو اتجاه واحد بل يجب أن نتعامل مع هذا الجانب كمصممين معماريين ومدراء مرافق بعدة اتجاهات وبعدة زوايا (اجتماعية وثقافية وسيكولوجية). لذلك، يجب بذل جهود أكثر للتأكيد على السلوك المستدام وعدم الاعتماد فقط على التكنولوجيا في تحقيق الاستدامة بل يجب إعطاء المستخدمين نفس الأهمية لأنه بدون المستخدمين تكون هذه التقنيات التكنولوجيا المستخدمة لتحقيق الاستدامة ذو نتائج محدودة. لذلك، يجب فهم الروابط النفسية بين كل ما يتم استخدامه من قبل المعماريون ومدراء المرافق وأن لا يقوموا بتصميم أو إدارة المباني فقط بل عليهم أيضاً تصميم وإدارة السلوك البشري ورسم السيناريوهات التي يجب أن تكون لطريقة تفاعل السلوك البشري مع تصاميمهم المختلفة.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر