تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

بيت المعماري مستأجر!‏

 

على الرغم من دراستي لمجال العمارة، إلا أن ذلك لم يشفع لي تحقيق رغبتي الإنسانية في أن أمتلك مسكني الخاص! مفارقة عجيبة بالنسبة لي، أقصد أن تكون صاحب مهنة تعتمد على بناء المساكن للآخرين، ثم لا يمكنك بناء مسكنك الخاص! ربما سيرى البعض أن في هذا الحكم نوع من المبالغة، وقد يكون كذلك. إلا أني لا أرى ذلك في مهن أخرى، فالطبيب عندما يمرض، يمكنه أن يصف لنفسه الدواء الذي يخفف من آلامه. والطباخ عندما يجوع، سيجهز لنفسه طعام يسد من جوعه. أما المعماري عندما يريد أن يبني مسكنه فهو مثل الطبيب والطباخ لا يفرقهم سوى مبلغ التمويل!

هذه المبالغات أو (الهواجس) –سمِّها كما تحب- بدأت بالظهور منذ أن قررت المضي قدماً للاستقلال ببيت العمر، وبناء مسكن يضمني وأسرتي الصغيرة ويكفيني عناء الإيجار وتسلط الملاك. في الحقيقة، لم تكن البداية مبشرة، فلم يسبق لي أن فكرت في موضوع السكن بشكل جدي، صحيح أن الفكرة كانت موجودة حتى قبل أن أُسس أسرتي الصغيرة، إلا أنها لم تخرج عن كونها خواطر تغدو وتروح بين الحين والآخر، تتخللها خيالات معماري عن ماذا سيكون عليه التصميم؟ وهل سيكون أيقونة معمارية تجسد رؤيتي في العمارة؟ أسئلة من هذا النوع وخواطر من ذلك القبيل التي تأتي لأي معماري يريد أن يبني مسكنه.

إلا أنه ومع أولى خطواتي نحو تحقيق هذه الرغبة، بدأت تلك الصورة تتقلص شيء فشيئاً عن ذلك المسكن الحجازي برواشينه وأخشابه وأحجاره وظلاله! ليس في ذهن أسرتي وحسب بل وحتى في ذهني! فعوضاً عن تكلفة البناء لكل تلك الأفكار، تبقى قيمة الأرض العائق الأكبر في تنفيذ الحلم إلى الواقع في المقام الأول.

هذا ما دفعني للبحث عن حلول واقعية كغيري من الناس، إلا أن تلك الحلول المطروحة هي خيارات سيئة في حد ذاتها. فإما وحدات سكنية خانقة، وأما فلل تهتز مع الرياح وترتجف مع المطر! والأصعب في كلاهما أنك ستدخل في مراهنة لا تقل عن (30) عاماً، تقر فيها وأنت بكامل قواك العقلية بأنك على أتم الاستعداد ليتم استعبادك في سوق النخاسة الجدد أو ما يعرف مجازاً بالبنوك!

حتى تلك الحلول بأن تشارك أحدهم الأرض والبناء، سرعان ما تصبح كابوساً مخيفاً، خصوصاً إذا كان من سيشاركك لديه ثقافة استثمارية للاستفادة من كل متر! حتى ولو على حساب جودة المكان والتصميم، ناهيك عن ما في ذلك من تجاوزات لأنظمة البناء المحلية والإنسانية! فلا حديقة ولا ارتداد ولا فراغ مفتوح! بل صندوق ضخم يحوي وحدات سكنية داخلية وإن بدا من الخارج كفيلا مزدوجة من دورين وملحق! ومع ذلك يطلب منك الشريك بأن يكون هذا الجرم من مهامك بحكم أنك صاحب الصنعة!

لم أجرأ على اتخاذ القرار بعد. قد يكون هناك تغيير في الأفق.. لا أعلم، فأنا أفضل التفاؤل وأمقت السذاجة. ولا أعلم أيضاً إلى ما ستنتهي عليه الأمور بالنسبة لي.. فللقصة حتماً بقية! ربما ستنتهي بنفس نهاية قصتك! من يدري! فواقعنا متشابه بشكل كبير، هذه الحقيقة التي لا نريد أن نقر بها أنت وأنا! أنه أياً كان الاختلاف بيننا.. إلا أن واقعنا متشابه بشكل كبير! ومصيرنا كذلك!

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر