تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

استدامة التربة مطلب أمام المهندسين

 

إذا كان الماء هو شريان الحياة فإن التربة التي نمشي فوقها هي العمود الفقري الذي تقوم عليه الحياة. تعتبر التربة مورداً طبيعياً ذي خواص ومكونات لا تجعلها وسطاً تعيش فيه الطفيليات والكائنات المجهرية فحسب، وإنما بداخلها مصنع بيئي ضخم لإنتاج أهم المواد التي تعتمد عليها الكائنات الحية على سطح الأرض، بل وتعوّل عليها اقتصادات العالم اليوم، فعلى سبيل المثال يتم استخراج النفط من باطن طبقات التربة بعد أن تتم إعادة تدوير المواد العضوية لآلاف السنين بأعماقها، والتي لولا تحللها بباطن التربة لتسببت في كوارث بيئية تهدد وجود الإنسان على هذا الكوكب. كما أن التربة اليوم تمدنا بالمصادر اللازمة لحركة البناء والإعمار وهي في ذات الوقت تحمل كل المباني والمنشآت والجسور والطرق على ظهرها.

لقد اهتم القدماء بالتربة اهتماماً بالغاً، فالإغريق اعتبروها مكوناً رئيسياً من مكونات الأرض (الماء والتربة والهواء) بل واعتبروها عنصراً كيميائياً رئيسياً قبل ظهور علم الكيمياء الحديث الذي حللها إلى مركبات عناصر أصغر. وفي الجزيرة العربية كانت للتربة أهمية بالغة فكل جوانب الحياة تعتمد على الأنشطة الزراعية لذلك حرص القدماء على عدم الاعتداء على التربة الخصبة والمحافظة عليها وكانت لهم أهم من مورد الماء؛ فلربما تجد الماء وفيراً ولكن لا تجد الأرض الخصبة الصالحة للزراعة وبالتالي تعتبر أرضاً سبخاء.

ارتفع الطلب من الإنسان على الموارد الطبيعية التي تقدمها الأرض بسخاء، وأصبح استهلاك الإنسان للتربة اليوم أكثر من السابق مع زيادة أعداد البشر والحاجة لمضاعفة أعداد المزارع التي تنتج الغذاء والمباني للإيواء، وبالتالي فإن المساحات الصالحة اليوم لا تكفي لتغطية كافة الاحتياجات. التربة المتدهورة بيئياً اليوم تعادل ما مساحته (2) مليون هكتار بما يعادل مساحة الولايات المتحدة الأمريكية مع المكسيك وهي نسبة كبيرة جداً تمثل حوالي (15%) من مساحة الأراضي على وجه الكوكب. وإذا ما استمر نمط استنزاف التربة وإهلاكها على ما هو الحال اليوم بنفس المعدل ولم يرتفع -والمتوقع أن يرتفع- فإن أمامنا حوالي خمسون أو ستون عاماً كحد أقصى وبعدها لن تكون لدينا ترب صالحة على وجه الأرض.

استهلاكنا للتربة اليوم يفوق قدرة الأرض على تجديدها بشكل تلقائي طبيعي، ولا توجد للأسف في بلداننا معلومات حسابية دقيقة عن مساحات الأراضي الخصبة وفي ماذا يتم استغلالها؟ توجد لدينا أراضٍ زراعية شاسعة ويلاحظ استخدام أجزاء كبيرة منها للاستخدام السكني أو الصناعي في الوقت الذي يتم فيه إهمال المساحات المليونية من الأراضي الصحراوية الجرداء ، لذلك تأتي نظرية الاستدامة لتفرض مساراً معتدلاً يفي باحتياجات الإنسان اليوم ولا يخل بمستقبل الإنسان، وتدعو إلى الحفاظ على مورد التربة لأجل استدامة الإنسان نفسه. والعكس صحيح فبإهمال الحفاظ على التربة فإن الضرر يعود على الإنسان كذلك وبشكل بليغ وفادح. فكم من مزارع وحقول مزدهرة تحولت إلى أراضٍ مهجورة غير صالحة للزراعة؟! مما ينعكس على اقتصاديات بلداننا فالناتج الزراعي اليوم مقارنة بالسنوات الأولى من عمر التنمية ينخفض. وبالنتيجة يعني ذلك انخفاض مساحة الغطاء الأخضر في الوقت الذي نحن في أمس الحاجة لمجابهة الاحتباس الحراري والكوارث البيئية التي تعصف بمنطقتنا كما وينعكس ذلك على عمارتنا التي أصبحت تتعرض للتشققات والتصدعات نتيجة انتفاخ التربة أو حركتها.

إن مشاكل التشققات وهبوط المباني لها علاقة مباشرة بالتربة في كثير من الحالات ويغيب عن ظن الكثير من المهندسين أهمية التشجير في حماية المباني بتثبيت التربة ومنع حركتها وامتصاص الماء الزائد منها عبر الجذور.

لا يقتصر التشجير على إضفاء اللون الأخضر فحسب وإنما حماية التربة وما عليها فالظل يخفض الحرارة ويمنع الانكشاف المباشر للتربة أمام الشمس وبالتالي يحافظ على سلامة واستمرار العمليات البيولوجية مثل إنبات البذور ونشاط الأحياء الدقيقة. والعكس صحيح فبارتفاع الحرارة تتضرر التربة بالتبخر الزائد وانخفاض الرقم الهيدروجيني وبالتالي زيادة ملوحة التربة التي تتسرب إلى القواعد وتؤدي إلى الصدأ مع مرور الوقت. ناهيك عن المشاكل المناخية العنيفة كمعدلات الأمطار الهائلة التي تقوم بتعرية التربة وجرفها.

إن حماية المباني من الملوحة بالعزل هو حل جزئي ولا يحقق الاستدامة وينبغي الالتفات اليوم إلى التربة كمورد أساسي والأخذ به بعين الاعتبار في مرحلة التصميم الحضري أو المعماري والاستفادة من كل متر مكعب من التربة الخصبة وهي عملية لن تتحقق إلا بتكامل عمل المهندس المعماري والمهندس الزراعي معاً.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر