أزمة المياه في الخليج: بحاجة إلى حلول جذرية

 

كثيراً ما يتردد على مسامعنا المخاوف من ندرة المياه في الخليج، وبأنها ستكون مشكلتنا البيئية المستقبلية. وعلى الرغم من أن الظواهر المحيطة لمنطقتنا وبيئتها الصحراوية تعد شواهد على تلك المخاوف، إلا أننا لا نزال نمارس الإسراف وهدر المياه بطريقة تعكس قصور استيعابنا للتهديد الذي فعلاً نعيشه، في هذه الصفحات سنحاول تقريب الصورة بشكل أكبر حول هذه الأزمة المنسية.

 

توقع باحثون مختصون من المعهد العالمي للموارد (WRI) أن (13) دولة في منطقة الشرق الأوسط ستواجه أزمة مياه شديدة في عام (2040م)، من هذه الدول المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، الكويت، سلطنة عمان، البحرين، قطر، فلسطين، ليبيا، العراق، تونس، سوريا، الأردن ولبنان. وبحسب الدراسة، فإن منطقة الشرق الأوسط تعد من أكثر مناطق العالم افتقاراً للأمن المائي.

هذا النقص أو ندرة المياه كما يتم تعريفها من قبل المختصين، لا تشكل تهديداً مباشراً على حياة الإنسان في هذه المنطقة وحسب، بل أيضاً للموارد الطبيعية المرتبطة بوجود وتوفر المياه، وهو ما يجعلها القضية الأهم في سياق التنمية المستقبلية للدول في هذه المنطقة.

 

المشكلة بلغة الأرقام

يشغل العالم العربي (10%) من مساحة العالم و(5%)من عدد سكانه، إلا أنه لا يحظى بأكثر من (0.5%) من الموارد المائية العذبة المتجددة في العالم. كما أن معظم المياه تنبع من خارج أراضيه؛ حيث تتحكم ثماني دول غير عربية في (85%) من الموارد المائية العربية. بالنسبة لدول الخليج تحديداً، فإن أزمة المياه تتمحور حول ندرة المياه، حيث ساهمت عوامل الموقع والمناخ في أن تكون شبه الجزيرة العربية قاحلة، حيث لا وجود للأنهار في الجزيرة، هذا بالطبع إذا تم استثناء مياه سيول الأمطار الساقطة على رؤوس الجبال والتي تتسرب بدورها إلى الأرض لتشكل المياه السطحية والجوفية.

ولذلك سعت هذه الدول إلى الاعتماد على الموارد الغير طبيعية، مثل تحلية المياه المالحة، حيث تحتل الدول العربية المكانة الأولى عالمياً في إنتاج المياه المحلاة، ويصل إنتاجها إلى (70%) من إنتاج العالم. بينما تنتج دول الخليج يوميًّا (8.3) ملايين م3 تمثل (62.4%) من الإنتاج العالمي للمياه المحلاة، فتأتي الإمارات في المقدمة (64.5% من احتياجاتها المائية)، تليها الكويت (63.24%)، وقطر (49.5%)، ثم البحرين (19%). وبشكل عام فإن متوسط الاستهلاك للفرد في الخليج يصل إلى (816) م3 من المياه سنوياً، بينما متوسط الاستهلاك العالمي لا يتجاوز (500) م3.

لهذا السبب، تتجه الكثير من الأنظار والآراء نحو إعادة تدوير مياه الصرف الصحي كنوع من تحقيق الفائدة القصوى من عميلة الإنتاج لهذه المياه، خصوصاً أن هناك مشكلات تتعلق بمسألة تحلية المياه على المدى الطويل أو ما يعرف بـ(ذروة الملوحة).

 

الآثار المترتبة على التحلية

في دراسة بعنوان (الأثر البيئي لتحلية مياه البحر: الخليج العربي كنموذج) تحدد الدراسة عدد من الآثار البيئية المترتبة على ممارسة تحلية مياه البحر مثل استهلاك الطاقة وزيادة الانبعاثات الكربونية، بالإضافة إلى رفع درجة الحرارة في المنطقة، والأهم من ذلك هو الوصول إلى ذروة الملوحة، والتي تعني بأنه يمكن أن تصبح مياه الخليج مالحة لدرجة لا يمكن معها التحلية، هذه المخاوف تأتي نتيجة لإعادة رمي المخلفات الناتجة عن التحلية في مياه الخليج الضحلة مرة أخرى. وعلى الرغم من أن مفهوم درجة الملوحة أو ذروة الملوحة موجودة منذ سنوات إلا أنه تم التركيز عليه في الآونة الاخيرة، كونه أحد أسباب التلوث لمياه البحار، وعامل أساسي في تغيير النظام الأيكولوجي البحري، الأمر الذي يزيد في تكاثر الطحالب وبالتالي ارتفاع مستويات السمية في المياه.

 

ليست الحكومات بل الشعوب!

قد يكون من المنصف القول بأن الحكومات تعي تماماً حجم وأبعاد المشكلة المتعلقة بالمياه في العالم العربي والخليجي، فهي جزء مباشر من الأمن السياسي في المنطقة، إلا أن هذا الوعي لا يقابله الكثير من جانب الشعوب والمجتمعات، فلا نزال في العالم العربي والخليجي نمارس نوع من الهدر المائي بطريقة مستفزة، على الرغم من أن تعاليم ديننا الحنيف تحثنا على عدم الإسراف، هذا أولاً. ناهيك عن ندرة المياه والبيئة الصحراوية التي نعيشها كسبب آخر يجعل هذا السلوك مستفز. لعل السبب يعود في ذلك، إلى قناعتنا التامة بإمكانية إنتاج المياه العذبة بشكل صناعي، حيث أصبح يُنظر إليها كمورد لا ينضب! ربما لأن الأجيال الجديدة في هذه الدول، لم تعيش فعلاً هذه الندرة والتي كانت تمثل هاجساً للأجداد. حيث دعمت الدول العربية أسعار استهلاك المياه بشكل كبير لدرجة أصبحت مجانية مقارنة مع دول أكثر منا وفرة في مسألة الموارد المائية، وهو ما ساهم على ما يبدوا في الإفراط بالاستهلاك، حيث يقوم السكان المحليون بري حدائقهم الفاخرة، ويحافظون على المروج الخضراء في أفضل شكل، ويغسلون السيارات دون مراعاة لترشيد المياه، ويعيشون في شعور زائف بالأمن.

 

 

مقترحات لتخفيف من الأزمة

ضمن دراسة صادرة عن المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في (سبتمبر 2015م) بعنوان (المياه والطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي. تأمين المياه القليلة في الدول الغنية بالنفط)، تم اقتراح عدد من الآليات لمواجهة أزمة المياه في دول الخليج ومواجهة النقص المائي. وفيما يلي أبرز هذه الآليات أو المقترحات من الدراسة: (1) معالجة مياه الصرف الصحي: وذلك للاستخدام الزراعي وليس لأغراض الشرب، حيث يمكن أن تكون بديلاً للمياه الجوفية المستخدمة في عمليات الري. وفي هذا الصدد قامت السعودية على سبيل المثال بالمعالجة بإعادة استخدام (2) مليون كيلو متر من المياه في أغراض الزراعة في عام (2010م)، ويتوقع أن يزيد هذا الرقم ليبلغ (6) مليون كيلو متر بحلول عام (2035م). (2) تحلية مياه البحر: وعلى الرغم من الأضرار المترتبة على الإفراط في هذه التقنية، إلا أنها تعد أحد الحلول الرئيسية لتأمين المياه، حيث بدأت دول مجلس التعاون الخليجي في الاعتماد على استراتيجية تحلية المياه منذ سبعينيات القرن الماضي، إلا أن عملية التحلية تحتاج إلى توليد كميات كبيرة من الطاقة. ولذلك فإن خيارات الترشيد تعد من الطرق الوقائية للتقليل من هذه الآلية مستقبلاً. (3) تقليص دعم المياه: بمعنى رفع أسعار المياه بما يتناسب مع أهمية الاستخدام، وهذه السياسة تبدو الأقرب من حيث إجراءات التطبيق التي تنتهجها حكومات الخليج نحو تحقيق الاستدامة، إلا أن هذا الخيار لابد أن يدرس الواقع الاجتماعي تفادياً لحدوث مشاكل اجتماعية خطيرة تجاه نقص المياه. (4) الحد من الزراعة المحلية الغير ضرورية: حيث يساهم ذلك في تقليل عملية الاستهلاك خصوصاً للمنتجات التي لا تحقق فائدة مباشرة كالأعلاف وغيرها. (5) تعاون خليجي مشترك: توجد في دول مجلس التعاون الخليجي مشروعات مائية مشتركة، مثل المبادرة المعلنة لإقامة خط مياه مشترك يبدأ من سلطنة عُمَان، مروراً بالإمارات العربية المتحدة، وصولاً إلى باقي دول الخليج، بتكلفة تقدر بحوالي (10,5) مليار دولار، لكن يُواجَه هذا المشروع عدد من العقبات أبرزها ارتفاع التكلفة، والحاجة إلى وجود نظام تسعير خليجي موحد للمياه.

 

وعلى الرغم من وجود المقترحات والآليات نحو مواجهة هذه الأزمة المستقبلية، إلا أن الحل الحقيقي يبدأ من التوعية للمجتمع وعلى نطاق ضيق ومباشر، مثل أفراد الأسرة والأصدقاء والأقارب، أو من خلال المدارس والجامعات. ولا يقف الأمر عند التوعية فحسب بل أيضاً العمل على وجود عوامل مساعدة لتحقيق هذا الترشيد مثل المنتجات المرشدة والحلول التصميمية التي تعتمد على التدوير وغيرها من الإجراءات التي قد تساهم في تقليل هذا الخطر الذي يهدد وجودنا.

 

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد السابع للسنة الثالثة

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي