متحف الكوكب الأزرق: دوامة تأخذك لأعماق المحيطات

 

اعتدنا خلال السنوات الماضية أن نشاهد تلك الطوابير الطويلة للزوار وهي تقف أمام أبواب المتاحف طمعاً في الحصول على تجربة مثيرة. ومع تطور العمارة بدأ الكثير من المعماريين بابتكار أفكار حول طريقة وصول الزوار للمتاحف وحركتهم داخلها. في هذا المشروع امتد الأمر إلى ما هو أبعد من تنظيم الحركة، ليصل حتى للفلسفة وراء تصميم متحف الكوكب الأزرق أو (The Blue Planet).

 

التصميم مستوحى من شكل (دوامة الماء) حيث الحركة لا نهاية لها، وهذا ما يعطي نوع من الديناميكية سواء لكتلة المبنى أو المسقط الأفقي على حد سواء. الأمر الذي ينعكس على التكوين الخارجي للمبنى، بشكل يجعل منه يتغير وفق زاويا الرؤية وساعات النهار، حيث تلعب أشعة الشمس دور كبير في تشكيله. بينما تستحضر الخطوط العضوية للتكوين الخارجي للمبنى في ذهن المشاهد صور تتعلق بالبيئة البحرية، كحركة الأمواج الفضية على رمال الشاطئ أو الأشكال المميزة لتلك المخلوقات البحرية في أعماق المحيط.

لعل هذا ما يعطي التصميم نوع من التوافق بين الشكل من جهة وبين موضوع التصميم من جهة أخرى. بالإضافة إلى أن مواد التكسية الخارجية تعزز هذا التصور من خلال تجسيد لشكل حراشف السمك بخطوطها المائلة والمتقاطعة. حيث يغطي المبنى أكثر من (33) ألف قطعة ألمنيوم تؤكد هذا المشهد.

 

يقع المشروع على أرض مرتفعة تطل على البحر، وتحديداً شمال مرفأ (Kastrup)، شكل المبنى المميز مرئي بوضوح للمسافرين القادمين بالطائرة إلى مطار كوبنهاجن القريب بسبب شكل المبنى المميز من الرؤية الجوية أو عين الطائر كما يقال. على الأرض، تلعب المسطحات المائية الخارجية دوراً ترحيباً للزوار، بهدف نقلهم بشكل غير واعي للخوض في هذه التجربة المختلفة. يساهم في ذلك المدخل المختفي ضمن الموجة الأكبر والأطول للدوامة، وكأنه مع دخولهم تأخذهم الدوامة إلى عمق المحيط. وهذه هي الفلسفة وراء التصميم.

 

في الداخل، يشكل البهو الدائري نقطة التوزيع الأولى، حيث يتيح للزوار اختيار الوجهة إلى أي الأقسام يمكن زيارته، هذا الخيار يعد مختلف عن أسلوب دراسة مسار الحركة والذي اعتدنا أن نراه في تصميم المتاحف عموماً، حيث يحاول المعماري السيطرة على الحركة بشكل دقيق، يحسب فيها كل خطوة دون الأخذ بالاعتبارات البشرية أحياناً. يختلف الأمر هنا، حيث يسعى المصمم لخلق تجارب مختلفة للزائر ضمن الوعي الفردي وليس الجماعي. بمعنى أن كل زائر قد يعيش التجربة بشكل مختلف عن الآخر.

 

 

بشكل عام، المعرض يقدم مفهوم شامل لجميع الزوار حول القيام بتجربة حسية وآسرة للحياة تحت الماء. هذه التجربة تأتي ضمن العديد من العوامل المساعدة، مثل تصميم الإضاءة، الصوت وتقنيات العالم الافتراضي، وعرض الأفلام والتفاعل والرسومات وغيرها. وهي تعد وسائل مساعدة يوظفها المصمم في صالح إيجاد التجارب التي تتناسب مع موضوع ونشاط المتحف أياً كان نشاطه. الجميل في هذا المشروع، هو دمج تلك التجربة الترفيهية بتجارب أخرى إضافية، كالمطعم في الجهة الجنوب شرقية وبإطلالة بانوراميه على البحر. بالإضافة إلى المرافق الأخرى في الهواء الطلق، والتي تعد جزء من نشاط المتحف لترفيه الزوار.

إنشائياً، يمتد سقف المبنى بشكل كبير ليغطي تلك الموجات للدوامة، هذا الامتداد جاء نتيجة لاستخدام الهياكل المعدنية في تغطية السقف، بهدف توفير بحور واسعة من أجل المعروضات الداخلية والأحواض وسهولة الحركة الداخلية. حيث يتضمن التصميم ما يقارب (54) قطعة معدنية تم تنسيقها بشكل شعاعي هندسي تنطلق من القاعدة الأساسية للواجهات المنحنية.

 

بقي أن نقول، بأن الصعوبة في مثل هذا النوع من المشاريع تكمن في تأمين البيئة الملائمة للحياة البحرية. فهذه المتاحف المائية أو أحواض السمك الكبرى إن صح لنا القول، ما هي إلا بيئة صناعية مماثلة لبيئة الأسماك الأساسية في مياه البحار أو الأنهار. وبالتالي يجب توفير المعايير اللازمة لضمان جودة هذه البيئة. لعل هذا ما دفع القائمون على المشروع لإنشاء خط خدمة على بعد (1.7) كم في (أوريسوند) للحصول على مياه مناسبة لأحواض السمك. حيث يحتوي المشروع في المجموع على (7) ملايين لتر من الماء مقسمة على (53) حوض. علاوة على ذلك، يستخدم نظام تبريد لأحواض السمك يتماشى مع نظام مناخ مياه البحر لهذه الأسماك.

 

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد السابع للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي