العمارة تحت الماء: بين الضرورة والترف

 

غالباً ما تطرح الأسئلة حول جدوى المشاريع المراد تنفيذها تحت الماء، أسئلة تدور حول حقيقة الدافع وراء هذا المشروع أو ذاك، وعلى الرغم من عدم وضوح الإجابات في سياقها المنطقي، إلا أن العمارة تحت الماء تعد من الاتجاهات المثيرة للخيال والجدل أيضاً! فهي تمثل القطب الآخر لحلم البشرية والمتمثل في غزو الفضاء أو كشف أعماق المحيطات! في هذا العدد سنتناول أبرز الدوافع وراء هذا الاتجاه في السنوات الماضية.

 

تعود قصة العمارة تحت الماء إلى الستينيات من القرن العشرين، عندما بدأ العديد من العلماء والمهتمين بعوالم البحار والمحيطات الحديث حول الاحتمالات الممكنة للحياة والسكن تحت الماء. وعلى الرغم من أن هذه الدعوات كانت تمثل الوجه الآخر من غرور الإنسان في القرن العشرين تجاه السيطرة والتحكم في كل ما هو محيط، إلا أنه بالفعل تم تحقيق بعض الخطوات الواقعية في هذا المجال. حيث ظهرت عدد من نماذج لغرف مصفحة تشبه الغواصات في تصميمها، كفراغ معيشي يمكن ممارسة الأنشطة الإنسانية داخله تحت الماء وبدون أي مشاكل تذكر. إلا أن هذه النماذج كانت تختلف من حيث الشكل والنوع، ولكن قبل أن نستعرض هذه الأنواع، يتوجب علينا أن نستعرض الدوافع وراء هذا التوجه واستمراره حتى يومنا هذا.

 

أولاً: محاولات الاستكشاف والترف الحضاري

قد يسعنا القول بأن أحد دوافع العمارة تحت الماء، هي محاولة جديدة للاستكشاف البشري، فالإنسان بطبيعته يسعى وراء كشف ما وراء الستار، ولا يقبل أن يبقى في عتمة الجهل وعدم المعرفة. إلا أن هذا الاستكشاف يبدوا أنه تحور قليلاً عن مساره في السنوات الأخيرة! فلقد ظهرت خلال السنوات الماضية دعوات نحو تفعيل هذا الجانب خصوصاً في المباني ذات الأنشطة الترفيهية، كالمطاعم والفنادق والمقاهي، حيث غالباً ما يكون الغرض من هذه الأنواع من المباني هو خلق تجربة مختلفة للزوار كميزة تنافسية. ولعل هذا ما يفسر تحول بعض المعامل والمختبرات تحت الماء إلى أغراض ترفيهية وسياحية، مثل مشروع (   )

 

ثانياً: الشكل المعماري

تلعب قضية التكوين والشكل المعماري دوراً كبيراً في العمارة تحت الماء، حيث غالباً ما تأخذ هذه المشاريع نوع التكوين المفتعل بصرياً. وكأن وجود العمارة تحت الماء مبرر لوجود هذا التكوين المعماري الاستثنائي. البعض يرى أن هذا التكوين هو جزء من عملية التكامل مع البيئة الطبيعية البحرية، وعلى الرغم من هذا التبرير قد يكون مقبولاً من حيث الفكرة، إلا أن المبالغة في الشكل تعكس نوع من البحث عن جذب بصري. تماماً كما هو الحال في الجذب للزوار. مع العلم أن هذا التوجه قد بدأ مؤخراً كما هو الحال في مشروع المطاعم في دبي أو المدينة العائمة.

 

ثالثاً: التكامل الأيكولوجي

لا يعني ذلك أنه لا توجد هناك محاولات جادة للاستفادة من هذا الاتجاه لتحقيق أهداف بيئية كبرى تتمثل في التكامل مع الطبيعة. هذه المحاولات عادة ما تأتي في سياق الاستدامة والحفاظ على البيئة. علماً أنه يوجد الكثير من الجدل حول جدواها من جانب بيئي، فالبيئة البحرية تعد من البيئات الحساسة جداً تجاه أي تدخلات خارجية (أنظر: الحياة المائية بين الحفاظ ضد التطور العمراني – العدد الثاني (2018))

 

أنواع العمارة تحت الماء

يصنف المختصون العمارة تحت الماء إلى أربع أنواع رئيسية من حيث علاقتها بالماء نفسه، هذه الأنواع تختلف من حيث طريقة التشغيل والاستخدام، وبالتالي تختلف الأنشطة المستخدمة وفق ذلك، ويمكن سرد هذه الأنواع على النحو التالي:

 

أولاً: النموذج العائم

عادة ما يكون الجزء السفلي من المنشأة مغمور بالمياه لمسافة تصل من (30-45م). هذا النموذج يعد الأكثر شهره في العمارة تحت المياه، كونه يلعب دور (برمائي) إن صح لنا القول، حيث يستفيد من الوجود على سطح المياه ومن البيئة الخارجية في تشغيل الأجزاء السفلية. وظهرت العديد من المشاريع التي تعتمد على هذا النموذج في الآونة الأخيرة، بعضها كان فردي أو مستقل كالمنازل العائمة وبعضها كان عبارة عن مستوطنة مائية تضم العديد من المنشئات المختلفة. العنصر الأبرز في هذا النموذج هو أن خيار التنقل متاح من مكان لآخر، وهو ما ينفي فكرة المسكن الثابت على الأرض.

 

ثانياً: النموذج الموصول بالسطح

وهذا النموذج مغمور بالمياه بالكامل، مع وجود جزء ممتد إلى السطح. يعتمد هذا النوع على قرب المسافة من السطح، بالإضافة إلى أن الجزء الممتد يستخدم لعمليات نقل الأشخاص من الأعلى إلى الأسفل، بما في ذلك جميع العناصر اللازمة للتشغيل. ولذلك يعد هذا النوع مفضلاً في تصميم المطاعم أو المقاهي، مثل مشروع الفندق البحري الجاري تنفيذه في جزر المالديف وغيرها من المشاريع التي تم الإعلان عنها مؤخراً.

 

ثالثاً: النموذج شبه المستقل

هذا النموذج مغمور بالكامل في المياه، مع عدم وجود نقطة وصل مع السطح، فيما عدا بعض الأنابيب الخاصة بتزويد المياه والطاقة للمنشأة. حيث أن عملية الوصول إلى هذه المنشئات تتم من خلال غطس الأفراد. ولذلك يعتمد هذا النوع من المنشئات على العمق المتوسط إلى حد ما لإمكانية الوصول.

 

رابعاً: النموذج المستقل

ويعد النموذج الأكثر طموحاً في هذا الاتجاه، حيث يعتبر منشأة كاملة تحت المياه، وبدون أي تواصل مع السطح حتى في مسألة الطاقة والغذاء، حيث يأمل من هذه المنشئات أن تكون متكيفة إيكولوجياً مع البيئة البحرية وبشكل يضمن لها البقاء كبيئة مستقلة ومستدامة. ومع ذلك وبشكل عام، تواجه هذه الأنواع أو النماذج تحديات كبرى، خصوصاً فيما يتعلق بمسألة الضغط والتأثير على الإنسان لفترات طويلة. بالإضافة إلى التكاليف العالية لمثل هذا النوع من المنشئات مقارنة بالجدوى العائدة.

 

 

العمارة تحت الماء في الخليج العربي

قد يبدوا من الواضح والملفت أيضاً، أن تكون دول الخليج العربي من أكثر الدول التي قطعت شوط كبير في مثل هذه المشاريع وإقامتها. حيث تتمركز في الخليج العربي عدد من المشاريع التي يمكن تصنيفها على أنها مشاريع تحت الماء. وعلى الرغم من أن البعض يرى أن في ذلك نوع من الجذب السياحي لهذه الدول التي انتهجت مؤخراً سياسات الاستثمار السياحي، إلا أن التساؤل قائم حول الأضرار المترتبة في مثل هذه المشاريع على البيئة البحرية واستمرارها. فمن المعروف أن مياه الخليج تعد ضحلة نوعاً ما مقارنة بالبحار أو المحيطات، وهذا ما يجعلها موقع جيد لتنفيذ العديد من المشاريع من هذا النوع، وبالتالي المزيد من الأضرار التي يمكن أن تحدث لمياه وكائنات الخليج البحرية.

قد يكون من المفيد أن نحظى بمشروع أو مشروعين من هذا النوع بغرض الاستثمار، وفي ظل إجراءات نظامية صارمة لحماية البيئة البحرية بموقع المشروع، إلا أنه سيكون من الصعب جداً التعامل مع عدد كبير من المشاريع في نفس المكان وفي نفس الوقت، أو حتى في ظل غياب التنظيم التشريعي لمثل هذه الممارسات. ولذلك من المهم أن يبدأ المعماريون المهتمون بهذا النوع من العمارة، بالدراسة والبحث أكثر عن الأساليب البيئية الممكنة لإنشاء مثل هذا النوع من المشاريع، دون أن يترتب على ذلك العديد من المشكلات البيئية المستقبلية.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد السابع للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي