تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

واشنطن: التوازن بين غرب وشرق المدينة

 

كثيراً ما تعاني عواصم البلدان من عدم توازن بين فئات ومناطق العاصمة، البعض يرى أن السبب في ذلك يكمن في تلك الأولوية التي تعطى للعاصمة وثقلها السياسي، فالحاجة لوجود مباني لإدارة وتشغيل الحكومة قد تفوق بشكل أو بآخر الحاجات الأخرى للمدينة كالجانب الاجتماعي أو البيئي. ومع أنه لا يمكن التعميم على جميع العواصم بهذا الرأي، إلا أنه قد يمكن الحكم على عاصمة الولايات المتحدة بذلك!

 

يرى البعض أن العاصمة الأمريكية واشنطن، تعد من أكثر العواصم التي تجسد التمييز العرقي والاقتصادي والاجتماعي. حيث يختلف شرقها عن غربها! على الأقل من حيث تشغيل واستغلال النهرين. فمن المعروف بأن العاصمة واشنطن تتميز بعدد من الأنهار أشهرها هو نهر (بوتوماك) كونه يضم معظم المعالم الشهيرة بالمدينة. يليه نهر (أناكوستيا) والذي كان بمثابة الواجهة البحرية للعاصمة التاريخية، أو منطقة العمل إن صح القول. إلا أن جغرافية هاذين النهرين تنعكس على المنطقة الحضارية لواشنطن، حيث تفصلها إلى أربعة مناطق رئيسية هي المنطقة الشمالية الغربية، الشمالية الشرقية، الجنوبية الغربية والجنوبية الشرقية. وتختلف كل منطقة عن الأخرى بشكل ملفت من النظر، سواء من حيث نوعية الخدمات أو السكان أو مستوى المعيشة أو حتى جودة السكن. الأمر الذي يعكس بوضوح حجم ومقدار الفصل والتمييز داخل نطاقها الحضري.

تبدأ القصة منذ القرن التاسع عشر، حيث وفرت الأنشطة الصناعية في الساحة البحرية وظائف كافية لجذب أول مجتمع سكني على الجانب الشرقي من النهر، والمعروف اليوم باسم (أناكوستيا) التاريخية. ومع استمرار النمو للمدينة وجذبها للكثير من سكان المدن والقرى المجاورة، أصبح من الضروري جداً إعادة التفكير في التجديد الحضري لهذه المنطقة تحديداً، وخصوصاً فيما يتعلق بالبنية التحتية والمرافق، خصوصاً أن معظم السكان لهذه المناطق كانوا من الأمريكيين ذو الأصل الأفريقي، والذين جاءوا بحثاً عن فرص عمل من المدن والقرى المجاورة.

في منتصف القرن العشرين، أصبحت الأحياء الواقعة على طول النهر أحد الأهداف الرئيسية لإجراءات التجديد الحضري في واشنطن، حيث هدمت فيها المساكن والأعمال القائمة واستبدلت بمشاريع الإسكان العام. وتم نقل الكثير من السكان إلى أحياء ناحية الشرق، مما أدى إلى تركيز المساكن الشعبية على طول النهر، لتتحول بذلك لمنطقة تعاني من الاضطرابات الاجتماعية. حيث تعاني من الفقر، وتدهور حالة السكن، بالإضافة إلى أن أغلب سكان هذه المنطقة من الأمريكيين ذو الأصل الأفريقي. بينما تتناقض المدينة على الطرف الغربي منها، حيث يعيش معظم السكان البيض والمتعلمين.

وفي عام (1997م)، نشرت اللجنة الوطنية للبحوث الزراعية تقريراً بعنوان (تخطيط رأس مال أمريكا للقرن الحادي والعشرين) والذي دعا إلى التوجه نحو الخارج على مستوى المدينة، بدلاً من المركزية التي كانت تعمل بها وفق نظام إشعاعي منذ التخطيط الأول لواشنطن العاصمة. حيث يساهم ذلك إلى تخفيف الزحام داخل المدينة بالإضافة إلى إعادة تجديد المناطق القديمة وإعادة توظيف الواجهة البحرية التاريخية لواشنطن.

 

التخطيط

هذا التقرير ساهم في ظهور مبادرة إعادة تطوير منطقة نهر (أناكوستيا). والذي جاء كمشروع ملموس لمحاولة سد هذه الفجوة النفسية والاقتصادية والاجتماعية والمادية والمدنية بين غرب وشرق العاصمة. وبما أننا في عاصمة السياسة، فإن ولادة المبادرة لم تخرج عن السياق السياسي، حيث جاءت المبادرة ضمن أهداف برنامج انتخاب عمدة مقاطعة كولومبيا في عام (1998م) السيد (أنتوني أ. وليامز) والذي أوضح اهتمامه الشخصي بالبيئة والأنهار والتزامه السياسي بتحقيق العدالة الاجتماعية.

رأى (وليامز) أن نهر (أناكوستيا) يمثل فرصة كبيرة للتنشيط الاجتماعي والبيئي الذي كان له أهمية رمزية بالنسبة لمدينة مفصولة اقتصادياً واجتماعياً. حيث كان مفتاح الرؤية هو تحقيق النمو الاقتصادي لتلك الفئة من السكان، وضمان أن المنافع الاجتماعية والاقتصادية المستمدة من الواجهة النهرية التي سيعاد تنشيطها ستتقاسمها بطريقة متساوية الأحياء المحلية والسكان بالمنطقة. ركزت المبادرة على النمو الحضري تجاه الشرق، في محاولة لربطها بالمدينة مرة أخرى، مع إعطاء أولوية قصوى لتطوير المرافق والحدائق والبنية التحتية للمنطقة. وفي عام (2000م)، أقام العمدة (وليامز) بنجاح شراكة بين حكومة المدينة والوكالات الاتحادية التي تملك معظم الأراضي على طول النهر.

حددت مذكرة التفاهم مكتب مقاطعة كولومبيا للتخطيط (أوب) باعتباره الوكالة الرائدة في التخطيط، ووضع المدينة في دور قيادي لتنسيق رؤية النهر. وأنشأت مذكرة التفاهم أيضاً لجنة توجيهيه مشتركة تتألف من مكتب العمليات ودائرة الحدائق الوطنية وإدارة الخدمات العامة للإشراف على ولاية مواطني مقاطعة كولومبيا في عملية التخطيط. ومن خلال الحوار بين المواطنين والوكالات الفدرالية، قام مكتب العمليات بوضع خطة إطار عمل الواجهة المائية لتوجيه إعادة تطوير النهر. والتي شملت خمسة مواضيع للتخطيط شكلت الأساس للخطة. واستجاب كل موضوع من هذه المواضيع لمخاوف المواطنين أو مناقشات السياسيين العامة حول شكل التطوير. هذه المواضيع هي على النحو التالي: (1) البيئة: حيث يتم الترميم البيئي للنهر على مدى (25) عاماً. (2) النقل: إعادة بناء البنية التحتية للنقل لتقديم خدمة أفضل للأحياء والمنطقة. (3) الفراغ الحضري: تحويل أكثر من (1800) فدان من المساحة المفتوحة العامة إلى نظام متنزهات نهرية مترابطة. (4) الثقافة والمؤسسات: إدخال المتاحف والآثار الجديدة التي تؤكد على الأهمية المدنية لنهر (أناكوستيا). (5) التنمية الاقتصادية: زيادة حيوية الأحياء من خلال إضافة أكثر من (20،000) أسرة وما يصل إلى (40،000) وظيفة جديدة.

واقترحت الخطة إنشاء كياناً جديداً هو (مؤسسة أناكوستيا البحرية) (أوك) لتنسيق عملية التنفيذ، مما يكفل استثمار الموارد اللازمة للتنفيذ بحكمة وبصورة منصفة وعادلة.

 

 

التنفيذ

تم تنفيذ المشروع من خلال تقسيم الأعمال إلى مشاريع متوسطة وصغيرة، هذه المشاريع تم توزيعها على الجهات المعنية بالتنفيذ ووفق الخطط الموضوعة. ويعد حي (كابيتول ريفيرفرونت) هو أول أحياء المنطقة من حيث إعادة التطوير، خصوصاً بعد انتقال قاعدة (نافسي) البحرية من المنطقة, إعادة تطوير الحي فتح الشوارع العامة للوصول إلى الواجهة البحرية، وشيد حديقة تبلغ مساحتها (5.5) فداناً. بالإضافة إلى إعادة تشغيل الحدائق المهملة، وإعادة الاستخدام للمباني التاريخية وبناء المباني الجديدة متعددة الاستخدام. ويعد مشروع (ياردز) هو الأبرز ضمن عملية التطوير والذي بلغت تكلفته (1.5) مليار دولار أمريكي لضمان إعادة تطوير الموقع كمشروع مختلط الاستخدام. ساهم أيضاً بناء الملعب الرياضي في المنطقة، إلى تنشيط الواجهة البحرية. وعلى الرغم من الاعتراض حول تمويل مركز رياضي في المنطقة من قبل الأعضاء، إلا أنه تم اعتماد البناء بعد ما ثبتت الجدوى الاقتصادية لهذا المشروع.

شمل أيضاً التطوير تحقيق أهداف أخرى تتعلق بجعل المنطقة نظيفة وآمنة وودية ونابضة بالحياة من خلال: التنظيف والصيانة، السلامة والضيافة، والتسويق، والعلامات التجارية والمناسبات الخاصة، النمو الاقتصادي، والتنسيق والدعوة من أجل التحسينات العامة وبناء المجتمع.

سواء من حيث مشاريع النقل العام بأنواعه المختلفة، أو من خلال مشاريع الفنادق والمطاعم في المنطقة، والتي تم استثمارها بشكل اقتصادي مربح، والذي تمكنت من خلاله الجهات المسئولة في تمويل المشروع.

ومن أهم مشاريع المنطقة: (1) محطة الواجهة البحرية: (1.2) مليون قدم مربع للمكاتب ونفس المساحة السكنية و(110،000) قدم مربع على الأقل مكرسة للمحلات التجارية والمطاعم. (2) فندق ماندارين: بني في عام (2003م)، فندق ماندارين هو أحدث فندق خمس نجوم في المنطقة. وتلقى الفندق (40) مليون دولار في شكل زيادة في الضرائب العامة. (3) مسرح الساحة: وهو ثاني أكبر مجمع للفنون المسرحية في واشنطن. وقد سعى التجديد إلى الحفاظ على عناصر هامة من طابع المركز الأصلي. (5) محطة توليد الكهرباء.

 

التمويل

تم تمويل المبادرة من خلال عدد من الآليات والمصادر، واستخدمت الأموال العامة لسداد احتياجات البنية التحتية المتعددة، لجذب وخلق خيارات سكنية بأسعار معقولة. وبشكل عام يمكن استعراض هذه الآليات على النحو التالي:

(1) المنح: حيث تلقى المشروع منحة بقيمة (35) مليون دولار أمريكي من أجل إعادة تطوير المساكن العامة في (آرثر كابر كارولسبورغ). والذي يعد المشروع السكني الأكثر ابتكاراً والأكثر استدامة. حيث كفل المشروع استبدال جميع المساكن العامة وزيادة كثافة الأراضي بنسبة (1:1) لمضاعفة كمية الوحدات السكنية عن طريق استكمال (700) وحدة سكنية عامة مع (400) وحدة سكنية مدعومة و(400) وحدة سكنية بأسعار السوق. وكانت هذه إحدى المشاريع في إطار المبادرة التي تسعى إلى الحد من استغلال العقارات لتلك المناطق.

(2) السندات: من أجل جعل الاستثمار في المنطقة مربحة للمطور الخاص، استخدمت المدينة مبلغ (230) مليون دولار أمريكي لدفع الاستثمارات في البنية التحتية (الطرق والحدائق والمجاري).

(3) زيادة التمويل الضريبي: قامت وزارة النقل بضخ (100) مليون دولار أمريكي للمساعدة لإيجاد مشاريع البنية التحتية والحدائق المتعددة. وكجزء من إعادة تنشيط الواجهة البحرية الجنوبية الغربية، ساهمت المنطقة بمبلغ (198) مليون دولار أمريكي لتعويض تكاليف البنية التحتية وحفز مشروع بقيمة (1.3) مليار دولار أمريكي.

(4) التمويل البلدي الآخر: في عام (2004م)، وافقت المقاطعة على (611) مليون دولار أمريكي لبناء محطة نقل أولاً لنقل السكان للمدينة، وثانياً إنشاء المركز الرياضي للمدينة في هذا الجانب.

 

الدروس المستفادة

على الرغم من أن نتائج المبادرة تؤثر مباشرة على المجتمعات الأقل دخلاً في المدينة، إلا أنه يمكن اعتبار المشروع تطوير للمدينة ككل. فعند المقارنة بين عام (2000م) وعام (2009م) يمكن القول بأن جميع المؤشرات الرئيسية لتحقيق الأهداف البيئية والاقتصادية والمجتمعية في منطقة تنمية الواجهة المائية في (أناكوستيا) تعتبر إيجابية. وفيما يلي بعض النتائج الإيجابية الرئيسية التي حققتها المبادرة:

  1. الاستعادة البيئية: أدت المياه إلى خفض تدفق المجاري بنسبة (36٪)، وقد حققت المنطقة انخفاضاً تقريبي بنسبة (50٪) في تركيزات أكاسيد النيتروجين والكبريت.

  2. ربط المنطقة بالمدينة من خلال النقل.

  3. الحدائق: أكثر من (100) دولار أمريكي في الاستثمار العام تم في الحدائق العامة.

  4. المراكز والخدمات: افتتح ملعب واشنطن الوطني في عام (2008م). وافتتح فندق ماندارين، أحدث فندق خمس نجوم في المنطقة، في عام (2004م).

  5. الأحياء: ارتفع عدد السكان في أوي من (16،675) إلى (23،280). وارتفعت الإيرادات السنوية لضريبة الملكية العقارية من (35) مليون دولار أمريكي في عام (2005م) إلى (109) مليون دولار أمريكي في عام (2009م).

ويمكن القول بأن تحويل (2800) فدان من أراضي الواجهة البحرية المهملة وإعادة تطوير أحد الأنهار الأكثر تلوثاً في الولايات المتحدة يعد ولاشك أمر معقد ومشروع طويل الأجل، وفيما يلي أهم الدروس المستفادة من هذه التجربة:

(1) وجود رؤية واضحة ومدعومة من الجانب السياسي أو الإداري للمدينة، فهي مشاريع معقدة وطويلة وتحتاج إلى إيمان ثابت بالنتائج الإيجابية. (2) تقسيم الرؤية إلى مشاريع ممكنة وصغيرة، هذه الاستراتيجية تعد من النقاط الممكنة لتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع. (3) إدارة التوقعات أيضاً يمكن أن تعتبر درساً مهماً، فكما حصل في الجدل حول جدوى بناء الملعب، أثبتت التوقعات مدى فائدة الجدوى العائدة من المشروع. (4) مشاركة المستفيدين، سواء من السكان أو المستثمرين تعد من أهم نقاط نجاح التجربة في تجديد المنطقة.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد السابع للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر