واجهات عمائرنا التقليدية: ‏ رموز دنيوية بمدلولات غيبية

 

يعدّ المعمار منظومة معرفية متكاملة تجمع اللغة والفكر والعقائد بحيث تكون فيها البناءات والإنشاءات مادة ملموسة قابلة للتعامل معها كظواهر تمثل مؤشرات تحمل في طياتها أفكاراً وقيماً ومعايير ثقافية تعبّر عن تطلّعات صانعيها وتمكّنهم من الحفاظ على ذاكرتهم. تتحرّك هذه المنظومة وفق نُظم شرّعها المجتمع وقوانين ثابتة منظمة حسب منهج موحّد ومحكم في آن. ولا تكون قيمة دلالته فاعلة إلاّ في مجال المنظومة التي تنتمي إليها طبقاً لمعجم رموز موحّد تضمن درجة الإدراك المطلوب لهذه الدلالات المرئية والثابتة.

إن الكتل البنائية الممتدة بصرياً وباتجاهاتها الأفقية والعمودية، التي تجمع بين التعقيـد والبساطة وتتراوح إدراكاتها الحسية بين رمزيتها وفاعليتها الوظيفية، سواء كانت على مستوى الوحدة أو النظام ماهي إلا لمتساكنيها الذين هم أهم عناصر المجتمع ومكوناته الأساسية. هـؤلاء الذين هم مختبر نتاجنا، إنهم يحللونه، يقيمونه عبر ما هو مناسب أو غير مناسب تبعاً لتطـابق نتاجنا أو عدمه من سلوكيتهم ونفسيتهم وحاجاتهم وعلاقاتهم.

يؤلّف السكن صورة لعلاقة التّمفصل بين الحاويات ومحتوياتها الرمزية، فلا معنى هنا للمقابلة بين السكن بوصفه مادياً قائماً على تحول هندسي وظيفي للمكان والسكن باعتباره معيشاً ومتخيلاً مشحوناً بالتمثلات والرموز، لأن عملية التحويل ثم الاستغلال تتم وفق نماذج ثقافية مستمدة. ولعلّ الكيفية التي نعيد بها إنتاج وعينا بالمكان تتمّ عبر التحولات التي تحدث في مكونات السكن ووفق ما يحدث من تحولات تكون الإشارات والرموز والابتكارات تحت سقف التجربة والإدراك والتخيل.

ويتجلّى الرّمز نقشاً وحفراً ونحتاً ورسماً، أشكالاً هندسية، نقطاً، خطوطاً منكسرة أو مستقيمة أو متعرّجة، هيئات هندسية تجريدية. تختلف التقنيات والأساليب بتنوّع المحامل. وينتج الأثر وليد ذاتية صانعه، والعناصر المادّية المكوّنة له. فيطوّر النّحت بأسلوب التّشكيل تقنية ونتاجاً. وهو عكس النحت بالحفر. يعتمد الحذف والإضافة، لخامات متنوّعة مأخوذة من محيطه الخاصّ، فهذا الأسلوب قوامه اختلاف الوسائط وتنوّعها، وتداخل التقنيات. [حفر، نقش، رسم، صباغة...] في تشكيل ذات الشيء. هو معيار جمالي قوامه أنّ التشكيل أهمّ من الشكل.

تعدّ واجهة المسكن بنية الوعي في العمارة التقليدية، ووثيقة ما يتلقّاه وما يعكس ذاكرته، لتقدّم الواجهة الرمز والإشارة والإيماءة فيكون التواصل. أفضية سكنية تقليدية تستخدم العناصر الزخرفية في واجهاتها، وتقوم على تكرار الوحدات الهندسية المجردة على جانب مدخل المسكن وأعلاه بطريقة متماثلة، وقد ظهرت الزخارف الحائطية للتغلب على قسوة الحياة الطبيعية حيث الهواء الجاف والمناخ الحار. وقد حقق المتساكنون الاتزان والتناسق في التكوينات الهندسية البارزة والغائرة التي صمّمها. فقد احتفظت العمارة بهوية مميزة وواضحة، فهي انعكاس صادق للبيئة، وهذا نتيجة تفاعلات كثيرة من العوامل البيئية والاجتماعية والثقافية والمناخية.

فمساكننا التقليدية نُفذت واجهاتها بأبسط خامات البيئة الطبيعية وبرزت العناصر الزخرفية فيها نتيجة لإيجابية الإنسان وتفاعله مع الطبيعة وجهوده في تنفيذ احتياجاته، فعبر عنها في صورة رموز تلخص فكر الإنسان وعقيدته نحو التغلب على قسوة الطبيعة، فكان للبيئة تأثير أساسي على الواجهات فيكون ظاهراً على المباني وعلى الأسلوب الذي كان متبعاً في البناء والخامات المستخدمة.

إن تشكيل الواجهات التقليدية، كتل وعناصر معمارية وزخرفية يؤكد مبدأ البساطة، فجاءت عمارة صريحة تعبر عن الوظيفة التي أنشأت من أجلها في صياغتها، وعمق مضامينها التعبيرية والتي كانت نتاج تراكم معرفي لسلسة من التجارب. ولعلّ من خصوصيات الواجهات أنه يوجد تناسق في التشكيل الفني للواجهة وذلك من خلال اعتبارين أساسين؛ أولهما علاقة عناصر التشكيل بعضها البعض، ونقصد هنا عناصر "التصميم" بأدواته التي يتلاءم فيها كل عنصر بالآخر لخلق التوافق والصلة المستمرة بين هذه العناصر (نوافذ وأبواب وزخارف وغيرها) والمساحة الكلية للواجهة. ثانيهما: علاقة كل عنصر بالمبنى المعماري ككلّ تحقيقاً للتوافق. كذلك، يوجد سيادة في التشكيل العام، وذلك أنه على رغم القواعد السابقة من وحدة وتكرار وتغير وعلاقات، إلا أنه يوجد شكل غالب مسيطر على الكلّ.

بالمسكن يعدّ الحائط فسحة ممتدّة للخطّ والكتابة وتعليم الرّموز والتي تتوزع بين موضوعات دينية وأخرى دنيوية حيث تتجاور بل وتتداخل مثل عقود البيع والشراء وأدوات البناء بالأدعية والبسملة والتسبيح. لكن الفصل بينهما غير موجود أصلاً لأن كل ما هو دنيوي كان دينياً بالأساس.

يذخر الحائط عموماً بكتابات رمزية وعلامات تشكيلية. إن في علاقة العناصر التشكيلية مع بعضها تحقق الانسجام والتآلف من الناحية البصرية، فجاءت العناصر المعمارية متناسبة. وتنظيم التشكيل في واجهات العمارة التقليدية بصرياً وحسياً يعبر عن الوحدة التصميمية الثابتة لقالب (الياجور) الآجر –مثلاً-الذي يستخدم لعمل التشكيلات الإبداعية في أشكال متعدّدة ومتنوعة. إن القوالب بأبعادها القياسية أظهرت تآلفاً وتجانساً وتناسقاً لمكونات الواجهة على المستوى الجزئي والكلي.

كما اعتبرت الأشكال الهندسية خاصة منها المثلثية عنصراً رمزياً بارزاً في واجهات الأفضية السكنية التقليدية. نذر وجود مبنى بدون مثلثات على اختلاف تمثلاته. فهذه العناصر ترمز إلى حرص السكان على إيجاد عناصر رمزية لطرد الأرواح الشريرة (حسب بعض المعتقدات والأقاويل)، كذلك إضفاء علامة معبرة أخرى لمحيطهم المعيشي ورمزاً لوحدتهم. المثلث علامة متكرّرة بأشكال مختلفة ونمط هندسي يمكن ملاحظته في الزخارف الموجودة داخل البيت أو في حواشي المبنى والواجهة الرئيسية.

إنّ كلّ ما خطّته أيادي البنائين والحرفيين هو فعل رمزي يحيل بشكل أو بآخر على معان مجرّدة تتخطى أحياناً الواقع الحسّي الذي تنطلق منه. وعلى عكس ما قد يوحي به الظاهر الزخرفي والجمالي للعلامات والرموز، فإن الإنسان ماثل فيها بقوة عبر كلّ تفاصيلها، فمواضيعها تتمحور حول الإنسان في إطاره البيئي الملموس وضمن شروط الحياة الواقعية دون إغفال للتاريخ، فيأتينا الكثير منها، تلك الرموز، مستوحاة من بيئته مع بعض من التجريد، ومع ذلك فهي تتطابق مع الطابع التشخيصي للفن البدائي والممارسات التشكيلية.

كما الجدار، يحضر الباب بعناصره الإنشائية والزخرفية بوصفه الجزء الأكثر كثافة في التعبير عن السكن تعييناً وترميزاً وتشكيلاً، وإذا كان حضوره هندسياً لا يكتمل إلاّ في أواخر مراحل عملية البناء، فإنّ تمثّله يبدو واضحاً منذ البداية لا سيما عبر التعامل مع موضع العتبة بكثير من مظاهر الخشية والانفعال، فيتمّ تخصيصه دون غيره من الأجزاء والوحدات المعمارية بطقوس عدّة تختلف العناصر المستخدمة فيها، إلاّ أنّها تتجانس في تمثّل ضرب من العلاقة الحتميّة القدرية بين ما يعتقد أنّه "طبيعة العتبة" ومستقبل المسكن وساكنيه. وما الانفعال الخاصّ في التعامل مع العتبة والفتحة المعروفة "بالخوخة"، واللجوء إلى تعليق بعض الرموز المادية كالقرون والخمسة و"الحوته" إلاّ إحالات على نظام دلالي بصريّ وفضائيّ قد أحكم المجتمع شحنه. ولعلّه وبفضل عناصره المادية الوظيفية والرمزية يتحوّل الباب إلى نظام دلالي بصري وفضائي فيه أنماط مختلفة من التعبير كالرسم والحفر والكتابة.

تعدّ النقوش الرّمزية المختلفة التي ميّزت جلّ أشكال الزينة المستعملة على واجهات مداخل أفضية الحوش الواحي التقليدي (الواجهة الأمامية للمدخل ومداخل الغرف والأبواب) مثل اليد، الخمسة، الهلال والنجمة الخماسية والحوتة التي تشير إلى أن المكان مفتوح ثقافياً وغير مغلق على نفسه. ومن جهة أخرى يراد من ذلك طلب البركة وطرد العين والحسد.

على اختلاف أشكالها، تمثّل الرموز المعلّمة طابعاً فنياً متجانساً مع مكوّنات الزخرفة الحفرية (الغائرة والناتئة) والزخرفة المركبة بهذه الوحدات السكنيّة التي يطغى عليها الطابع العقدي. فكلّ هذه الرموز التي تزيّن الباب وإطاره تعكس قيماً ثابتة بالمجتمع التقليدي، فيتحوّل الباب إلى قيمة في حدّ ذاته لا يدلّ على هوية متساكنيه فقط بل يعكس هوية مجتمع بما يحمله من معتقدات متوارثة.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي