تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

دور إدارة المرافق في تعزيز السلوك المستدام

 

"نحن نصنع أبنيتنا، ومن ثم هي تصنعنا وتنظم مجرى حياتنا" هكذا عبر (وينستون تشرشل) عن حجم تأثير العمارة على السلوك الإنساني، حيث رأى تشرشل أن البشر هم نتاج بيئتهم التي يصنعونها. لذلك وعلى مر العصور القديمة قد تم استغلال هذه البيئات العمرانية في تشكيل السلوك الإنساني سواء كان بالإيجابي أو السلبي. فعلى سبيل المثال، تم استخدام التصميم المعماري في المباني الدينية للتأثير على الخصائص السلوكية للمستخدمين كوسيلة لإثارة الإلهام والاحترام لدى المستخدمين، ومن جهة أخرى تم استخدام التصميم المعماري في قصور الحُكام لتوليد شعور الخوف من أجل التأثير على السلوك الإنساني لغرز شعور التبعية في أنفسهم. أيضاً، في السنوات الأولى من عمر الحكومة الأمريكية، اختار الجيل التأسيسي للولايات المتحدة الأمريكية بناء النمط الفدرالي الكلاسيكي لليونان وروما، لكي تتمكن الحكومة الشابة من أن تربط نفسها وتحفز داخل شعبها قيم تلك الثقافات القديمة. لذلك، كانت العمارة ومازالت لها دور كبير في التأثير على المستخدمين والمتفاعلين معها وخاصة في توجيههم لفعل معين. ومن هذا المنطلق، ومع تزايد تأثير أنشطة المجتمع على البيئة الإيكولوجية، كان هناك تزايد في القلق الاجتماعي فيما يتعلق بسلامة البيئة الطبيعية، وبسبب هذه المخاوف، جاءت التطورات التكنولوجية التي تهدف إلى التخفيف من التأثير على النظام البيئي وخاصة أن التقدم التكنولوجي في مجال العمارة سمح لنا بالتقليل أو حتى القضاء على التأثير البيئي الضار للبيئة المبنية، وفي بعض الحالات قد يعيد تأهيل النظام البيئي. ولكن ومع كل هذا، تشير كثير من الأدلة على أن أنماط النشاط والسلوك لدينا تضرّ بنظامنا البيئي وأن جميع هذه التطورات لم يكن لها تأثير يذكر في التأثير على السلوك البشري في تعزيز ثقافة الاستدامة والمحافظة على البيئة من السلوكيات الخاطئة، وخاصة إذا علمنا أنه يمكن للسلوك البشري والعادات البشرية أن تعزز أو تحبط جهود الاستدامة البيئية في الحد من البصمة الكربونية، ونوعية الهواء الداخلي، والانبعاثات، والتأثير على البيئة الطبيعية.

 

يبدو أن الجهود المبذولة لزيادة الوعي في أهمية الاستدامة كانت ذا نتائج محدودة إلى حد ما وخاصة في بيئاتنا العربية، وما زالت أغلبية السكان عمومًا يتصرفون بطرق تضر بالبيئة الطبيعية. ولذلك، ومن أجل تصميم بيئة مستدامة بحق، يجب على المعماري بشكل عام ومدير المرافق بشكل خاص ألا يفكر فقط في التأثير البيئي للمنشآت بحد ذاتها، ولكن أيضًا على كيفية تأثيرها على سلوك المستخدمين في هذه المنشآت التي يديرونها. والسبب في ذلك هو أن البشر وأنماط نشاطهم في نهاية المطاف هو أهم مساهم في التدهور البيئي، ولذلك لن تكون المنشآت العمرانية مستدامة إذا استمر عدة مئات من المستخدمين لهذه المنشآت في التصرف بسلوكيات تضر بالبيئة الطبيعية. لذلك، يجب على مدير المرافق أن يحاول خلق بيئة مستدامة بحق وأن ترتكز في ذلك على أنشطة وسلوكيات المستخدمين في المنشآت التي يديرونها.

 

يجب تحديد طرق وممارسات التصميم المعماري بشكل عام وإدارة المرافق بشكل خاص الأكثر ملاءمة للترويج والتأثير على السلوك الصديق للبيئة في شاغلي المباني والمنشآت العمرانية، لأنه يجب ألا يكون هدف مدير المرافق فقط تعزيز أداء شاغلي المبنى بل المساهمة في تطوير مجتمع مستدام بطريقة مسؤولة بيئياً. ولكن لا يتم هذا إلا إذا فهم مدير المرافق التأثيرات الاجتماعية والنفسية والجسدية للبيئة المبنية على الفرد بشكل أكثر ملاءمة من أجل أن يساعد أعضاء مهن التصميم الأخرى أن يكونوا قادرين على فهم السلوك الإنساني بشكل أعمق، مما يقودهم لإلهام المستخدمين بسلوك يكون أكثر مُلائمة للبيئة والتأثير عليهم بفاعلية أكبر. وركزت هنا على دور مدير المرافق لأنه هو الشخص الوحيد من بين جميع أعضاء مهن التصميم الأخرى الذي له احتكاك مباشر مع سلوكيات المستخدمين وأكثر شخص يفهم طريقة تفكيرهم.

 

إنني أؤمن بأن الهدف النهائي لحركة الاستدامة في مجالات التصميم هو إلهام المجتمع بأن يمارس مبادئ الاستدامة على نطاق واسع سلوكاً وثقافةً. إذا كان هذا صحيحًا، فمن الضروري فهم العمليات المعرفية التي يخضع لها كل فرد عند ضبطه في بيئة اصطناعية، وحتى نبدأ في فهم كيف يفسر كل واحد منا عناصر معينة للتصميم ويتفاعل معها. آمل أن نتمكن في فهم مبادئ الاستدامة بشكل دقيق وألا نركز فقط على التأثير البيئي للمنشآت بحد ذاتها وتعزيز أداء شاغلي المبنى فقط، بل علينا أن نركز أيضاً على كيفية تأثير الأساليب المستخدمة في التصميم المعماري والاستراتيجيات المتبعة لمدير المرافق والمنشآت التي من شأنها تعزيز الاستدامة كمفهوم شامل ويكون المستخدمين فيها هم حجر الأساس بشكل يساعد من تطوير نموذج للأنماط سلوكية تعزز من مفهوم الاستدامة لدى المتفاعلين للمنشآت العمرانية.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر