ليس هنالك إجابة صحيحة

 

عندما يفتح بعض الزملاء المعماريين النقاش حول تصميم معماري وعن مدى نجاحه، وحول ما إذا كانت هنالك حلول أخرى تثري التصميم وتضيف إليه إيجاباً، فما أن تشرع بإبداء رأيك كمعماري مستقل بأفكاره، حتى يهاجمك المصمم نفسه بإعادة طرح الفكرة مرة أخرى، عسى أن تدرك هذه المرة وجوب تأييده بعبارة (نعم، تصميمك صحيح!).

يقودنا ذلك إلى بعض الأسئلة مثل : هل هناك مقياس لصحة التصميم؟ إلى ماذا ينسب نجاح التصميم المعماري، ومن يحدد ذلك؟ ومن خلال الأسئلة السابقة والكثير غيرها، يمكننا طرح السؤال الأشهر لدى الكثير من المعماريين (فترة الدراسة على وجه الخصوص) : "هل هذا التصميم صحيح أم خاطئ؟".

في حقيقة الأمر، الإجابة الصحيحة هي أنه وبعيداً عن المبادئ الأساسية للعمارة، والمعايير التصميمية لكل مشروع معماري، لا يمكن الإجابة بالصحة أو الخطأ في هذه المسألة بالذات، فهذا منتج تصميمي وليس اختيار من متعدد أو اختيار الإجابة الصحيحة، بل هي عملية متسلسلة، معقدة ونسبية، ومرتبطة بجوانب فكرية وفلسفية مبنية على خلفيات علمية ومعرفية ووجهات نظر مختلفة، بالإضافة إلى أنها تتأثر بعوامل خارجية بعضها ثابت وبعضها متغير.

ومن وجهة نظر شخصية، أعتقد أن تعاملنا مع التصميم من زاوية (الصواب والخطأ) يعود إلى مرحلة التأسيس الفكري للمصمم نفسه، وتحديداً في فترة الدراسة. حيث نجد الطالب يحرص في تلك الفترة على أن يحظى بإعجاب معلمه الذي سيقرّ بصحة التصميم (من منظوره الشخصي) مما يؤثر عليه سلباً لفهم جوهر التصميم المعماري. فتقاد عقليته كمصمم حرّ إلى منحنيات أخرى تجعله يغفل عن حقيقة بأن "ليس هناك إجابة صحيحة حول التصميم"، وبالتالي يكون الطالب في الوقت ذاته بعيداً عن جوهر التصميم وطرق التفكير المختلفة، والتي من المتوقع والمأمول اكتسابها من المعلّم في الأساس.

يقول المعماري لويس كان (Louis Khan): "العمارة هي الاستخدام الجيّد للفراغات"، وفي الحقيقة يمكن للمعماري المطّلع والممارس معرفة واستشعار التصميم الجيد من الآخر الغير جيد من الوهلة الأولى ولا يمكن له الجزم بصحة أو خطأ المشروع في الوقت ذاته، فعلى سبيل المثال، عند عرض منتج معماري للتقييم من قبل عدد من المعماريين، سيرى البعض تكامله وفعّاليّته، والبعض الآخر يرى عكس ذلك لافتقاره لبعض التعديلات والمعالجات، بغض النظر عن اختلاف المدارس والتوجّهات التصميمية في العمارة، و هذا يدلنا على أن المنتج التصميمي يُقرأ من عدة وجهات نظر شخصية مختلفة تبلورت مع المصمم وتأثرت بعوامل مختلفة على مرّ الأوقات، بل يصل الاختلاف لمنهجية العملية التصميمية من الأساس!!، لنلاحظ التغاير في التقييمات بين التوافق واللاتوافق، و لكن في الوقت ذاته جميع هذه الأعين المتخصصة المقيّمة للمشروع تتفق على مبدأ تطوير الفكرة التصميمية دون أدنى شك.

في الواقع، جميعنا كمصممين نعلم أن العملية التصميمية الجيّدة والفعّالة لا تتوقف عند فكرة واحدة بعينها، بل تستمر لتمتد لعدة مراحل متقدمة إن لزم الأمر، وصولاً بالفكرة التصميمية لنطاق أكثر تعقيداً وتفرّعاً، فالمنتج التصميمي دائماً يقبل التطوير ولا يكتفي هو الآخر بالوصول لمرحلة معيّنة من التطوير، بل يصل الأمر أحياناً للمصمم للخلوص بفكرة جديدة كلياً عن الفكرة الأساس، ولكن في الأصل هي متبلورة ونابعة من نبات وثمرات الفكرة الرئيسية، وهذه أحد المحصّلات الإيجابية لعملية تطوير التصميم المعماري، وهذا ما يجب أن يؤخذ بالاعتبار لتقييم المنتج التصميمي.

أن التصميم المعماري كحلّ لقضية أو مشكلة فعليّة وبشكل عام، يمكن له أن يمتد لعدد كبير -وقد يكون لا نهائي- من الاحتمالات والخيارات المتجسّدة بهيئة بدائل ومقترحات تصميمية للمنتج المعماري، فعلى سبيل المثال، في حال تقدّم عدد من المعماريين لتصميم مشروع ما، مع توحيد المواصفات والمتطلبات والمحددات للمصممين، فسوف تُقدّم مخرجات وحلول مختلفة ومتفاوتة على مستوى الوظيفة، فضلاً عن الجانب الجمالي والمتعلّق ضرورةً بالذائقة الفنيّة والخلفية المعرفية الثقافية للمصمم، وإن كانت المعطيات والمحددات ذاتها!، لنجد في المقابل الاستحسان من جهة المستخدم لأحد التصاميم أو مجموعة منها ونبذه لنظيراتها، في ظل استحسان مستخدم آخر لها!، ليتبيّن لنا مباشرةً أنه في الواقع ليس هناك إجابة صحيحة أو خاطئة بعيداً عن القواعد والأساسيّات التصميمية المعمارية، ففهي نهاية المطاف هذه هي العمارة. تحمل العديد من الاحتمالات والاختلافات على المستوى الوظيفي والجمالي على حدّ سواء، وليس باستطاعة أي شخص الجزم بإجابة صريحة وواضحة بالصحة أو الخطأ للمشروع، وكل ما في الأمر هو أن هناك قضية معمارية، رأي تصميمي، ذائقة مختلفة، و فكرة تصميمية مبنية على خلفية معمارية مستقلّة قابلة للتطوير دائما : فِكْر وفِكْرة.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي