تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

دكان الفريج

 

"الدكان السيدة"( السيدة: الذي أمام البيت) و " الدكان اللي ورا بيتنا" (خلف مسكننا) و " دكان المتين" (المتين: السمين). لا زالت تلك الثلاثة دكاكين راسخة في ذاكرتي منذ عشرات السنين، ثقافة مكان لا يمكن أن تُنسى ولو تم هجر المكان وتغير العمران، وأصبحت المساكن عمارات حديثة. كلمة "دكان" بالمناسبة هي كلمة عربية فصحى وتعني المتجر أو المصطبة التي تبيع المواد الغذائية، لا زلت أتذكر وقت العصر عندما يحصل كل واحد منا على مصروفه العصري، ونذهب برفقة أصحاب الحي (الفريج) إلى أحد هذه الدكاكين ونشتري احتياجاتنا، وفي حال عدم امتلاك أحد الأطفال لمصروف فالأمر يكاد يكون طبيعي، فكل واحد يعطيه جزء بسيط من مشترياته، وبالمحصلة يكون نصيبه أكثر من الجميع، وعندما نعود من الدكان – ولا نجلس أمامه لأن الجلوس أمامه كانت من الكبائر لدى العائلة، لوجود شباب طائشين وعمالة أجنبية - نجلس على دكة من الدكك المتناثرة في الفريج، هذه الدكك تطل عليها جميع المساكن وبالتالي فإن إطلالة أية أمٍ من بوابة مسكنها أو نافذتها تستطيع من خلالها الاطمئنان على أبنائها. والواقع أن هذه الدكك كانت عبارة عن خزانات للصرف الصحي! ولم تكن مكاناً معداً لتلك الجلسات الرائعة، عموماً لن استرسل في سرد الذكريات الجميلة حول دكان الفريج ولكن لا بد أن نتطرق لأهمية هذا الجزء العمراني في تشكيل الثقافة والتواصل الاجتماعي من خلال الحي السكني.

الدكان أو البقالة من ضروريات كل حي سكني، والذي يجب أن يكون حسب معايير التخطيط العمراني من الحاجات التي يستطيع الساكن الوصول إليها مشياً على الأقدام، وعليه فهو ومسجد الصلوات الخمس يجب أن لا تتجاوز مسافة المشي إليه من أبعد نقطة في الحي (500م)، وعليه فإن الوصول إليه يسير في سائر الفصول ما عدا فصل الصيف في وقت الظهيرة، ولأهمية هذا الجزء العمراني فقط تم ربطه في كثير من الأحيان بالمسجد، فترى أن كل مسجد ملحق به عدد من المحلات ذات تخصصات الاحتياج اليومي مثل البقالة والمصبغة والكهربائي وغيرها.

الواقع أن التخطيط العمراني الذي اعتبر المساكن ممالك مستقلة، جعل من الوصول إلى منطقة الخدمات في الحي السكني مشياً على الأقدام غاية في الصعوبة، حيث أن حجم الأرض الواحدة أصبحت تعادل خمس إلى ست أراضي في التخطيط العمراني القديم، كما أن الشوارع أصبحت تُشًرح المناطق السكنية إلى قسائم منفصلة لا يربط بينها رابط، ممرات المشاة أو الدرجات الهوائية تكاد تكون معدومة، وبالتالي فإن العلاقة بين الأطفال خلال الذهاب للدكان والرجوع منه أصبح أمراً مستحيلاً، أضف إلى ذلك عدم وجود أماكن مخصصة لجلوس الأطفال لتناول ما اقتنوه من الدكان إلا الأرصفة، وقد تلاحظ جلوس البعض في الطرقات لعدم وجود مناطق مخصصة لذلك، وعليه فإنه لم يعد للدكان أي تأثير اجتماعي في تطوير العلاقات الاجتماعية في الأحياء السكنية.

يشير توماس لاسويل في كتابه الاعتبارات الإنسانية في التصميم المعماري، إلى أن المعماري قادر على تحقيق عدة اعتبارات واحتياجات إنسانية من خلال التصميم، من هذه المعايير تكوين الصداقات والذي يمكن تحقيقه بتوفير أماكن التقاء واجتماع الجيران، حيث أن العناصر العمرانية كالساحات الاجتماعية وممرات المشاة وأماكن الخدمات تساعد في اجتماع الناس، بينما إهمالها يقلل التعارف ويزيد الهوة بين الناس، كما يرى أن تحفيز الناس لممارسة بعض العادات كالمشي تشجع على تبادل أطراف الحديث بين الجيران بينما استخدام السيارة يقللها، وفي حديثنا عن دكان الفريج، نرى أن تخصيص الدكان في منطقة مركزية للحي بحيث يصل إليه الأطفال والكبار مشياً على الأقدام، سيكون هذا أكبر وسيلة لزيادة التعارف وتعزيز الرابطة الاجتماعية بين السكان، كما أن المخاوف السابقة بكثر العمالة حول الدكاكين يمكن معالجتها بدعم مشاريع الشباب والأسر المنتجة في الأحياء السكنية، بحيث تخصص كل المحلات في الأحياء السكنية لهذه الفئات.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر