تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

فشل الجميع ونجحت سنغافورة

 

قد تكون مشكلة الإسكان من أكثر المشاكل الموجودة في جميع المجتمعات، المتقدمة والمتأخرة، حيث لا تكاد تجد دولة لا تعاني من قصور في هذا الجانب وتحاول حل تلك المشكلة. أحد الاستثناءات لهذه القاعدة هي سنغافورة، التي مرت بتجربة إسكانية مذهله، بيد أن معظم الخبراء لا يقيمون لهذه التجربة وزناً باعتبارها تجربة فريدة ويكرر هؤلاء دوماً بأن سنغافورة ظروفها "خاصة ومختلفة وتجربتها غير قابلة للتكرار".

فما هي تجربة سنغافورة؟ وهل هي فعلاً غير قابلة للتكرار؟

استقلت سنغافورة من الحكم البريطاني في بداية الستينات لتصبح موطناً لـ(1.9) مليون شخص كانت أحوالهم الاقتصادية والمعيشية في تلك الفترة سيئة جداً. عندها كان حوالي (70%) من سكان هذه الدولة الصغيرة يعيشون في مناطق عشوائية داخل وحدات عبارة عن أكواخ ومنازل غير صالحة للسكن، بالإضافة لثلاث مئة ألف شخص كانوا يعيشون بطريقة غير نظامية يفترشون الأراضي الفارغة خارج المدينة.

بعد الاستقلال كان هناك توجه نهضوي كامل للنمو بالبلد. وأدرك صناع القرار أن توفير السكن الملائم والآمن لكل المواطنين في مقدمة وسائل تحقيق الرفاهية وجودة الحياة، لذا جعلوه أحد أهم أهدافهم وتم تأسيس هيئة الإسكان والتطوير لتحقيق ذلك. منذ التأسيس كان لهذه الهيئة هدف واحد معلن وهو رفع نسبة تملك المنازل بين السنغافوريين. المختلف في تجربة سنغافورة أنها أتت عكس جميع النظريات المعروفة في عالم الإسكان، تقول النظريات عادة بأن الحكومة لا يجب أن تبني الوحدات بنفسها بل يجب أن تكون المشرع فقط وتعمل على تأهيل القطاع الخاص للقيام بعملية البناء. لكن هيئة الإسكان السنغافورية عملت على الجانبين في وقتٍ واحد، فمن ناحية شرعت القوانين الاقتصادية والسياسية التي تدعم حصول المواطنين على المنزل المناسب، ومن الناحية الأخرى بنت بنفسها عدد كبير من الوحدات (١.١ مليون وحدة سكنية) وسلمتها لمن يحتاجها واستمرت في إدارتها حتى بعد تسليمها.

عند بداية هذه التجربة قدرت الهيئة أن عدد الوحدات المطلوب توفيرها سنوياً لحل المشكلة حوالي (14) ألف وحدة، في نفس الوقت قدرت أن القطاع الخاص وحده لا يستطيع بناء أكثر من (2500) وحدة سكنية كل عام، لذا عملت على سد الفجوة وقامت هي ببناء ما يزيد عن (11) ألف وحدة سكنية كل سنة. الآن، وبعد حوالي (50) سنة من تأسيس هيئة الإسكان، يجمع الخبراء أن تجربتها هي أحد أنجح التجارب الحكومية عالمياً في هذا المجال، فسنغافورة حالياً أحد الدول النادرة التي لا تعاني من مشكلة واضحة في الإسكان. حالياً يبلغ عدد ساكني المنازل الموفرة من قبل الحكومة (3.3) مليون سنغافوري من أصل (3.9) يسكنون الدولة، بمعنى أن نسبة قاطني هذه المنازل ارتفعت من (9%) عند تأسيس هذه الهيئة لـ(82%) حالياً. من هؤلاء، أكثر من (93%) ليسوا مستأجرين بل يملكون هذه المنازل، مما جعل سنغافورة الثانية في تصنيف أكثر الدول التي يتملك مواطنيها منازلاً بعد رومانيا (٩٠٪ نسبة تملك المنازل الكلية). أحد الجوانب الأخرى المختلفة في هذه التجربة هي جودة منتجات الهيئة الحكومية، عادة تكون جودة المنازل المبنية من الحكومة أقل، لكن في سنغافورة بنيت هذه الوحدات السكنية على أعلى مستوى من الجودة والخدمات لدرجة أن (96%) من سكان هذه الوحدات راضون عنها تماماً! بالإضافة لذلك استغل البرنامج لرفع جودة الحياة وتحقيق أهداف اجتماعية أخرى، مثل العمل على زيادة تناغم المجتمع والمساواة بين أطيافه المختلفة. فعند الاستقلال لم تكن العرقيات الثلاث الموجودة في سنغافورة على وفاق، عمل هذا البرنامج على تغيير ذلك عن طريق تصميم الأحياء وتخصيص الوحدات بنسب معينة لهذه العرقيات لزيادة التنوع والانسجام. كما استخدم البرنامج لتحقيق بعض الأهداف الاجتماعية طويلة المدى مثل تشجيع الزواج عن طريق أولوية حصول المتزوجين على المساكن.

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر