تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

العمارة الفائقة العناية بالإنسان

 

يحن المرء بطبيعته الإنسانية إلى الماضي ولكن عندما يتعلق الأمر بالعمارة فهو يتجاوز الذكريات والارتباط بالمكان لينبأ عن مشكل في تحديد نمط الحياة! فإذا كان حفاظياً تراثياً سيعزو تدهور تخطيط المدينة اليوم إلى الطرق والمركبات والاتصالات والتكنولوجيا، ويقارن وضع المدينة اليوم بالسابق حين كان التنقّل إلى المدرسة والسوق أمراً سهلاً، ولا يستغرق وقتاً طويلاً على الطرقات كما هو الحال عليه اليوم وسط الاختناقات المرورية رغم سرعة وسائل النقل وتطورها.

وهذا الحنين لا يعني بأي حال من الأحوال الدعوة لنبذ التقنيات الحديثة والعودة إلى الوراء للعيش في بيوت الأجداد والحارات القديمة؛ فحتى أولئك المنادين بحفظ التراث عندما يتعيّن عليهم الاختيار بين منزل تقليدي موروث من الأجداد يستأنسون إليه ومنزل آخر فائق التقنية مزوّد بأحدث الوسائل العصرية والتكنولوجيات فالأخير يُبهر ويجذب ومن الصعب التخلي عنه.

طُرحت بعض الحلول الوسطية للتوفيق بين ذلك من باب الاستدامة والاستفادة من العمارة التقليدية بالحفاظ على الأجزاء المتهرئة من الهيكل الإنشائي ولو بنسبة (30-40%) من المواد التي يحتويها وترميمها، وإضافة التقنيات الحديثة إلى المبنى، أو إعادة تدويرها إن تطلب الأمر هدمها. إلا أن هذه الحلول مجرد توقيعات فالعمارة الفائقة التقنية أساليبها ومناهجها تختلف جذرياً من حيث البناء والهيكل الإنشائي نفسه، فهي تدعو لاستخدام أحدث مواد البناء المصنّعة وآخر ما توصلت إليه التكنولوجيا ما أحدث تحولاً مادياً واجتماعياً ثورياً غيّر من نمط الحياة اليوم.

إن العمارة التقليدية وجدت في ظروف أخرى سابقاً، أما اليوم مع توسّع المدينة وتطوّر التقنيات والتطبيقات التكنولوجية أًصبح لزاماً على المهندس مواكبتها لما تقدمه من تسهيلات في حياة الإنسان، فبإمكان الفرد اليوم بفضل التكنولوجيا وهو متواجد في منزله إنجاز معاملاته عبر الهاتف النقّال دون الحاجة للخروج من المنزل، وتجنّب ضياع الوقت في عملية التنقل.

وبالرغم من تطوّر التكنولوجيا المطرد والحلول المبهرة التي يستفيد منها المهندسون بتضمينها في تصاميمهم للتحكم بالمباني ابتداء من البيئة الداخلية للمبنى وانتهاء بمستوى المدينة؛ إلا أن المشاكل في تزايد وتفاقم مستمر وأصبح الإنسان رغم امتلاك التقنيات لا يشعر بتلك الأريحية الكاملة كالسابق ويأخذهُ الحنين إلى تلك العمارة الأصيلة حيث الألفة بين الناس.

لقد سيطرت التقنيات على حياة الناس إلى الحد الذي أصبحت تعكس مستوى تقدمهم وتحضّرهم المادّي، وأصبح عدم امتلاك التقنية ضرباً من ضروب التخلف، وهذا ما أبعد التقنية من كونها (أداةً) لتسهيل حياة الناس لتصبح (غايةً) للامتلاك، وانحرف المسار في العمارة من التصميم للإنسان إلى التصميم لأجل امتلاك التقنية وأصبحت قمة التطوّر أن يكون المبنى مزوداً بأحدث التقنيات وتسابق المهندسون إلى ذلك واستبدلوا الإنسان بالتقنية والأداة بالغاية لتكون محور التصميم.

ولأوضح ذلك بمثال: الطالب الذي كان يدرس جدول الضرب عندما توفرت التقنية لديه استخدم الآلة الحاسبة، ثم مع التطور استبدلها بالهاتف الذكي، ولكن إن كان أُميّا ولا تتوفر لديه الأساسيات فلن يتمكن من معرفة جدول الضرب. كذلك هو الحال في العمارة إن لم يدرك المهندس المعماري أساسياتها وابتعد عن تلبية احتياجات الإنسان الأساسية والعمل لراحة ساكن المنزل ولم يوظّف التقنيات لتسهيل الحياة؛ عندها سيكون الناتج المعماري عبئاً ثقيلاً يسلب من العمارة جوهرها الإنساني وتصبح "عمارة بلا عمارة"، وهذا يقودنا بالضرورة إلى نتيجة أن المبنى الجديد الفائق التقنية ليس أفضل من التقليدي القديم فقط لتوظيفه التكنولوجيا ما يفسر لنا سبب الحنين إلى الماضي فالقدماء كانوا أكثر إدراكاً ونضجاً من الجديد وليس مجرد ذكريات وعواطف.

يقول المعماري الهندي القدير تشارلز كوريّا في تحقيق صحفي نشرته جريدة الغارديان البريطانية بتاريخ 13/5/2013م: " لقد أصبحنا بعيدين جداً عن أساسياتنا، واستسلمنا للمهندسين الذين تمكنوا من تنفيذ أي تصميم ونجحوا في تدفئة وتبريد كل نوع من أشكال المباني. في النهاية نحن الخاسرون. كل شيء ابتعد عن العمارة! إلا ما كان موضة للتباهي يصنعونه على شكل قالب معماري وهو أبعد ما يكون عنه"

وهذا ليس بأمر جديد في الواقع، فمع التقنيات كان الاقتصاديون والاجتماعيون ينادون باستغلال الموارد بشكل أفضل لتطوير الصناعات وإظهار قوة التقدّم وزيادة معدل الرفاه إلى جانب التركيز على التعليم وتحسين المهارات، وحال الإخلال بذلك فإن أثر الأنشطة البشرية سينعكس بيئياً بشكل سلبي ما دفع قدماً للدعوة إلى نظرية الاستدامة والتوازن بين الجوانب الثلاثة فلا يطغى جانب على آخر، الأمر الذي كان مؤداه ارتفاع نبرة الخطاب البيئي وظهور مصطلح تكنولوجيا العمارة فائقة العناية بالبيئة (Eco-tech) والتي كانت أساس ظهور الأبنية الذكية بدمج الجانب (الفائق التقنية) والجانب (الفائق العناية بالبيئة) معاً. ولا زلنا إلى اليوم نحتاج كمعماريين للعودة إلى عمق العمارة التقليدية والتفكير مليّا عمّا تسلبه التقنية منّا وموقع الإنسان منها فهل نرى مستقبلاً ظهور مصطلح كالـ(العمارة الفائقة العناية بالإنسان)؟

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر