تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

حتى لا ننخدع بالأخضر! إشكاليات التشجير والبنية التحتية

 

كنا قد تحدثنا في العدد السابق عن أن التشجير يعد أحد الحلول المتاحة لمواجهة التصحر، ذلك الخطر الذي ينمو شيئاً فشيء نحو مدننا وقرانا. وكنا قد أشرنا أيضاً إلى أن عملية التشجير، ليست بالعملية السهلة والممكنة كما نظن. فالمسألة تتجاوز بذر البذور وريها لكي تنمو، خصوصًا إذا ما كان الحديث داخل المدينة وبنيتها التحتية. في هذا العدد سنحاول استعراض أبرز الجوانب المهمة في هذا الجانب المهم والمتنامي.

 

قد لا يخلو يومك من رسالة أو حديث أو تغريدة حول أهمية التشجير، ففي الآونة الأخيرة هناك نشاط واضح وملحوظ تجاه التشجير وأهميته في مواقع التواصل الاجتماعي وحتى في المجالس، هذا النشاط تحول إلى مبادرات على أرض الواقع من متطوعين وجهات معنية بمواضيع البيئة. وعلى الرغم من أن هذه المبادرات تعتبر جيدة ومثالية، إلا أنه من المهم لنا في هذا الموضع، أن نفرق بين ما نحتاج إليه وبين ما نرغب في الحصول عليه.

لا شك أننا نحلم بمدن خضراء تغطيها الأشجار، البعض يرى أن هذا ما يجب أن تكون عليه المدن. وعلى الرغم من صحة ونبالة هذه الأحلام والآراء، إلا أن الواقع قد يختلف جداً. ليس من حيث العوائق التي تقف أمام هذه الأحلام، بل من حيث الإمكانيات والأولويات. فالبيئات الصحراوية ليست بنفس الدرجة من التعامل من البيئة الزراعية مثلاً. أضف إلى ذلك أن تشجير المدن يختلف عن تشجير المناطق الزراعية أو المفتوحة في الريف، فالأمر هنا يتطلب المرور بالعديد من الإجراءات والخطوات قبل البدء بعملية التشجير نفسها. ولكي تتضح الصورة بشكل أكبر، دعونا نتناول مسألة التشجير بزاوية أكبر.

 

التشجير والمشهد الحضري للمدن:

من المهم أن نعرف بأن التشجير يعد جزء من عناصر الفراغ الخارجي للمدن، هذه الحقيقة أو المعلومة تعتبر واضحة جداً لمعمارين البيئة والذين يلعبون دور كبير في هذا الجانب من التخطيط العمراني. ويعني ذلك، بأن التشجير كعنصر مستقل يؤثر ويتأثر بالعناصر الأخرى، كالطرق والشوارع والمباني والخدمات للبنى التحتية والفوقية. ولذلك يجب دراسة هذه التأثيرات المتبادلة وفق نظام يتبع الأولويات.

فعلى سبيل المثال، قد نتفق على أن توصيل خدمة المياه للمنزل تعد أهم من وجود شجرة أمام ذاك المنزل. أو أن استغلال تلك المساحة الوسطية كحديقة أفضل من تحويلها لمواقف السيارات. هذه كلها قرارات مبنية على الأولويات، كنوع من التمييز والمقارنة بين هذا العنصر وذاك.

قد تتساءل: هل يتوجب على هذه القرارات أن تكون إقصائية للعنصر الآخر؟ بمعنى آخر. ما الذي يمنع أن نحصل على العنصرين أو الثلاثة في نفس الوقت؟ كتوصيل المياه والمواقف والحديقة والشجرة أمام المنزل! جميعها.

بالطبع يمكن الحصول على كل ذلك، إلا أن السر في تحقيق ذلك يكمن في الاختيار الموفق بين هذه العناصر، الاختيار للنوع والأسلوب وطريقة العمل والتشغيل. أو ما يمكن أن نطلق عليه مجازاً بـ(التخطيط)!!. مشكلة التشجير لدينا أنه لم يكن يوماً ضمن نطاق تصميم عناصر التخطيط العمراني للمدن والأحياء السكنية، بمعنى أنه عنصر مستقل له متطلباته وألوياته واعتباراته الخاصة. ولذلك فإن معظم عمليات التشجير والتي عادة ما تكون تطوعية، تتحول مع الوقت إلى مسببات أساسية لكوارث حضرية بصريه، كتشققات الأرصفة أو الطرق، أو تأثر البنية التحتية أو الهياكل الإنشائية للمباني والمرافق. وسبب ذلك، هو أن التشجير لم يكن ضمن المشهد الحضري للمدينة منذ بداية تصميمها. ولكي نتمكن من التشجير، يجب علينا أن نعيد دراسة هذه الممارسة ضمن المشهد الحضري وفق الإمكانيات والأولويات.

 

اعتبارات التشجير:

ذكرنا أن للتشجير اعتبارات ومعايير خاصة، تنظم علاقته كعنصر ضمن المشهد الحضري للمدن، هذه المعايير يمكن تقسيمها لعدة مستويات تتعلق بالنوع والتخطيط وطريقة التنفيذ. ما يهمنا في هذا الموضوع، هو أن نستعرض الاعتبارات المتعلقة بالبنية التحتية والفوقية للمدينة، والتي يمكن تناولها على النحو التالي:

 

أولاً :البنية الفوقية:

وعادة ما تتمثل في أعمدة خطوط الكهرباء أو أعمدة الإنارة، والرصف والسفلته والمقاعد وغيرها من العناصر التي تشكل الحيز الفراغي الخارجي للمدينة. تكمن العلاقة بين التشجير والبنية الفوقية في عدم التعارض، بمعنى أنه يجب الأخذ في عين الاعتبار عند البدء في تخطيط زراعة هذه الأماكن، وأشكال النمو النهائي للشجر بعد سنوات، وهل سيتعارض ذلك مع العناصر الأخرى أم لا.

 

ثانياً: البنية التحتية:

وتعد من أكثر العلاقات ضرراً مع التشجير، فجذور الشجر عادة ما تسبب مشاكل للكثير من البنية التحتية والهياكل الإنشائية تحت الأرض للمباني والمرافق. هذا الضرر يأتي عادة في ظل عدم التخطيط الجيد للمسافات والمسارات بين الشجر والبنية التحتية. بالإضافة إلى اختيار الأنواع الخاطئة من الشجر قد تسبب هذه المشكلات الكبرى. لذلك عادة ما تلجأ المدن نحو وضع عدد من المعايير والاشتراطات لعمليات التشجير وفق مواقعها. سواء داخل المنازل أو على حدودها الخارجية.

 

ثالثاً: الحيز الفراغي للتشجير:

من التوجهات الحديثة في دراسة وتخطيط التشجير للمدن، هو ربطها ضمن الحيز الفراغي للمدينة نفسها وفق ثلاث مستويات، المستوى الأول: يعد المستوى الأعلى أو الطويل، حيث يمكن زراعة الأشجار الطويلة دون الخوف من وجود تعارض مع البنية التحتية أو الفوقية. هذه المناطق تعتمد في الأصل على توفرها ضمن مخطط استخدامات الأراضي للمدينة نفسها أو حتى في المخططات التطويرية اللاحقة. وعادة ما يتم وضعها من قبل معماري البيئة في أمانات المدن.

أما المستوى الثاني: فهو المستوى المتوسط والذي يكون عادة ضمن نطاق المساكن أو المباني أو الملكيات الخاصة، بمعنى أنه لا يكون ضمن الفراغ العام، حيث يتم التخطيط لهذا النوع من المستويات وفق معطيات المشروع، كتوفر الحديقة الداخلية أو الخارجية، ووضع الأشجار أو الاكتفاء بالبساط الأخضر والنباتات. هذا المستوى يعد ضمن مسؤوليات المالك نفسه، ولا يتطلب أي تدخل من الجهات المعنية بأمور الزراعة والتنسيق للمدينة.

أما المستوى الثالث: فهو المستوى القصير، والذي يرتبط بالشوارع الخارجية والطرق، وعلى عكس ما يظنه البعض، بأن هذه الأماكن تمثل المكان الأمثل لزراعة أنواع الشجر، إلا أن هذه العناصر تعد من أكثر الأماكن تطلباً لتطبيق المعايير والاشتراطات، والتي تتعلق بجوانب أخرى، كسلامة المرافق، وسلامة المشاة، وأنظمة المرور والرصف. هذا المستوى يتطلب عناية خاصة، ويقوم على دور الجهات البلدية للمدينة، من حيث الزراعة والري. حيث تصنف المشاركة أو التعديل بدون أخذ الموافقات اللازمة يعد للقانون، ويمكن المحاسبة عليه ضمن عقوبات التخريب للممتلكات العامة.

 

 

رابعاً: اعتبارات أخرى:

من المهم قبل أن تتم عملية التشجير وفق أي مستوى من المستويات الثلاثة السابقة الذكر، أن يتم تحديد عدد من المتطلبات الأخرى والمهمة، كطريقة وأسلوب الري، وعمليات المحافظة والتشذيب. فالمسألة لا تقف عند متعة غرس البذور وحسب. الأمر الآخر، يجب معرفة إذا ما كانت هذه النوعيات من الأشجار تتناسب مع طبيعة المكان وبيئته، سواء من حيث متطلبات المياه، أو من حيث امتداد الجذور أو حتى من حيث التظليل وكثافة الظل. ولذلك كثيراً ما ترتبط تقنيات إعادة التدوير للمياه بالتشجير، ورفع إمكانية الزراعة داخل المدن دون خسارة الكثير من المياه.

 

الشجرة المناسبة في المكان المناسب

لا شك أن عملية التشجير بالنسبة لبيئتنا الصحراوية ستحل الكثير من المشكلات المتعلقة بالحرارة والتصحر والتظليل. إلا أن ذلك لا يعني أن نغفل عن واقع البيئة نفسها من حيث الإمكانيات والأولويات. لعل ذلك ما يدفعنا أن نتعامل بذكاء مع الموقف بهدف التصحيح، دون أن تجذبنا العاطفة أو الرغبة للقيام بالأمر بدون وعي بالواقع الذي نعيشه. هذا التصحيح يتطلب أن يكون هناك توعية بهذه الفوارق البسيطة، ومن ثم التوجيه نحو الخيارات المتاحة. فكما هي عملية التشجير تتطلب الكثير من الوقت والجهد، كذلك هو الأمر بالنسبة للتوعية بهذا الجانب. على الأقل من أجل أن يكون التصحيح مفيداً على المدى الطويل.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد السادس للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر