تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

عمارة النانو: أحدث تطبيقات تقنية النانو في العمارة والإنشاء

 

يتداول العالم اليوم إمكانية تطوير المنتجات من حولنا بشكل مختلف، بعد التطورات الحديثة في التعامل مع المواد ضمن مقياس دقيق. من هذه الإمكانيات ما يتعلق بالجانب المعماري والإنشائي للمباني، فهناك عدد من الخطوات الطموحة التي تم اتخاذها بهذا الشأن. في عددنا هذا سوف نستعرض أبرز الملامح لهذا الاتجاه الذي قد يغير من وجه وشكل العمارة.

 

بشكل عام يمكن القول بأن علوم وتقنية النانو تعد أحد مجالات علوم المواد وعلاقتها مع الفيزياء، الهندسة الميكانيكية والهندسة الحيوية والهندسة الكيميائية. حيث تسعى جميع هذه التخصصات للبحث أكثر في خواص المادة على المستوى الصغير. ويشبّه الكثير من العلماء والاقتصاديين أن اكتشاف تقنية النانو يشابه اكتشاف تقنية (الرقائق الإلكترونية) والتي غيرت من مجرى حياة البشرية فيما يتعلق بتنقية الحواسيب والأجهزة الذكية.

لا تزال تقنية النانو في مراحلها المبكرة، لكنها تعد من المجالات الواعدة في جميع فروع العلوم والهندسة، وتتعامل تقنية النانو مع المواد على مستوى الذرات والجزيئات المنفردة، حيث أن الخواص الفيزيائية للمادة كدرجة الانصهار والتوصيل الكهربائي والنشاط الكيميائي تتغير تماماً على مقياس النانو متر. وتعتمد التقنية على تشتيت ذرات وجزيئات المادة بوسائل مختلفة مثل تسليط شعاع إلكتروني عليها، أو تبخيرها ثم إعادة تجميع ذرات الغازات الناتجة طبقة فوق أخرى. وعلى الرغم من أن هذا الاكتشاف الهائل في القدرة على إعادة تشكيل خواص وجزئيات المواد يعد مثالياً، إلا أن هناك مخاوف حول عدم السيطرة على تلك القدرة، فعمليات إعادة التجميع للجزئيات قد لا تكون بالطريقة السهلة المتوقعة، بالإضافة إلى المخاطر المترتبة عليها والتي تهدد صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في حال عدم القدرة على السيطرة على جزئيات المادة نفسها.

 

طموحات عمرانية

هناك طموحات واعدة في توفير مواد قابلة للإصلاح الذاتي دون التدخل الإنساني، بما في ذلك معالجة الشقوق والتصدعات التي تصيب المواد نتيجة للحوادث أو حتى لعوامل الزمن. هذه الآمال تأتي بناء على تقنية النانو في تحرير جزئيات المادة والسماح لها بالتحرك ضمن جسد المادة لمعالجة مناطق الضعف والقصور، تماماً كالجسم البشري.

وهناك أيضاً طموحات أخرى تتعلق بالقضية التي تشغل بال العالم اليوم أو ما يعرف بالتغير المناخي. وذلك من خلال تسريع وتفعيل القدرة على توليد الطاقة باستخدام التقنية ضمن الخلايا الشمسية، حيث تشير الأبحاث الأولية إلى أنه يمكن ومن خلال تقنية النانو تحويل (90%) من أشعة الشمس إلى طاقة، ناهيك عن المساهمة في الحفاظ عليها.

تطبيقات تقنية النانو في العمارة

تتنوع استخدامات وتطبيقات تقنية النانو في العمارة والإنشاء، إلا أن التركيز أكثر في هذه الفترة قائم على تطوير مواد البناء تحديداً، وفيما يلي أبرز هذه التطبيقات:

الخرسانة، ففي جامعة (بوردو) يضيف الباحثون البلورات النانوية السليولوزية المشتقة من ألياف الخشب إلى الخرسانة. حيث تتفوق المواد المقواة بالنانو عادة على المواد التقليدية عبر مجموعة من الخواص الميكانيكية والكيميائية، من بينها القوة ومقاومة التأثير والمرونة. عند تطبيقها على مواد بناء مثل الخرسانة، فإنها تساعد على تقليل الأثر البيئي، بالإضافة إلى أنها تعزز عملية معالجة الخرسانة، مما يسمح للخرسانة باستخدام المياه بشكل أكثر كفاءة ودون التأثير على وزنها أو كثافتها بشكل كبير. هذا التطبيق سيساهم في توفير مباني ذات صلابة ومقاومة للكوارث الطبيعية مثل الزلازل والفيضانات وبالتالي توفير حماية للناس.

وهناك الطلاء الذكي، وهو أكبر تطبيق للمواد النانوية في صناعة البناء. مثل الطلاء المقاوم للخدش أو مكافحة التعفن. وهناك بعض المحاولات لإضافة سمات جديدة لتحسين هذه المنتجات بتقنية النانو، مثل مواد العزل، حيث هناك عدة أنواع من العزل بتقنية النانو أو ما يعرف بـ(nanocoatings) في السوق اليوم. وهي مادة عازلة بمواصفات إضافة، حيث تستخدم لخفض ونقل الحرارة داخل المباني. بالإضافة إلى حماية فعالة ضد التآكل ومقاومة العفن الطبيعي. يتم تنفيذها تمامًا مثل الطلاء، باستخدام الفرشاة التقليدية. وهناك عازل بتقنية النانو ولكنه شفاف، يستخدم على النوافذ والزجاج عموماً، حيث يسمح هذا النوع من العزل بنفاذية نسبة (92%) من الضوء ولكن دون الحرارة.

 

 

تطبيقات أخرى

ولا تقف تطبيقات تقنية النانو عند الثلاث المواد السابقة، لكنها تعد المواد الأبرز استخداماً لتقنية النانو في السنوات الماضية، ولا يزال العالم ينتظر المزيد من هذه التقنية التي قد تغير من وجه العالم. الجدير بالذكر هو عدد من المبادرات العربية في هذا المجال، ففي شهر مارس الماضي نظم المركز القوي لبحوث الإسكان والبناء بجمهورية مصر (المؤتمر الدولي الخامس لتكنولوجيا النانو في الإنشاء)، إيماناً من المركز بضرورة تفعيل دور البحث العلمي في خدمة المجتمع، ومواكبة التطور العلمي والتكنولوجي، خاصة في مجال تكنولوجيا النانو. المؤتمر يهدف إلى إلقاء الضوء على تطبيقات النانو التكنولوجي في الإنشاء، من خلال لقاء نخبة من العلماء من مختلف الجامعات والمراكز البحثية العالمية، لمناقشة المركبات النانو مترية المستخدمة في مواد التشييد والبناء والحماية من الحريق وتكييف الهواء والدهانات والزجاج، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة في المباني.

في المملكة العربية السعودية كانت هناك مبادرات سباقة من ثلاث جامعات سعودية عريقة، استهدفت البحث العلمي في تقنية النانو، لينتج عنها ثلاث جهات بحثية متخصصة هي: معهد الملك عبدالله لتقنية النانو بجامعة الملك سعود. ومركز التقنيات متناهية الصغر بجامعة الملك عبدالعزيز. ومركز التميز البحثي في تقنية النانو بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن. حيث تسعى هذه المراكز نحو تحقيق خطوات متقدمة في مجال تقنية النانو ليس في التطبيقات العمرانية وحسب بل في العديد من المجالات.

 

المستقبل يبدو أكثر تناغماً

لعل المتابع لمجال التطورات في صناعة العمارة خلال السنوات الماضية، يلحظ تقدماً واضحاً نحو التكامل مع البيئة المحيطة، على الأقل من حيث التوجهات والأفكار والمبادرات. هذا الوعي في المجتمع العالمي اليوم تجاه حماية البيئة والريادة في التناغم مع المحيط، يعد السمة الأولى للنجاح في المستقبل. النجاح في المحافظة على الموارد الطبيعية والنجاح في تخطي المشكلات التي ظهرت نتيجة لممارستنا الخاطئة خلال السنوات الماضية. نعتقد أنه من المهم بالنسبة للمعماريين اليوم، النظر لهذه القضية من هذا الجانب البيئي التقني. ففي ظل هذه التطورات لن تكون مسألة الشكل أو النسب الجمالية ذات أهمية كبرى إذا ما قورنت بعوامل أخرى كالبقاء أو الصحة. ولذلك يتوجب على المعماري العربي اليوم الاطلاع على هذه التوجهات وتطبيقاتها في العمارة، على الأقل لتحقيق مواكبة بين التطور التقني وبين الإحساس الفني للعمارة، كما هو الحال دائماً.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد السادس للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر