تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

أوبرا هاربين: المباني العامة كفرص لصناعة المكان

 

عادة ما تلعب المباني العامة في المدن، دوراً بارزاً في صناعة الهوية البصرية والتأكيد عليها. فنحن عادة ما نتذكر المدن بأبرز معالمها، لنبدأ من هناك بتذكر بقية التفاصيل الأخرى للمدينة. في مدينة هاربين الشمالية بالصين، كان الحديث يدور حول تجسيد النشاط الثقافي الريادي التي تقوم به المدينة، ثم تحول الأمر لفكرة مشروع دار الأوبرا ومركز المدينة الثقافي. ليصبح أحد أهم معالم المدينة بعد ذلك. في مشروع هذا العدد، اخترنا أوبرا هاربين.

 

تقوم الفكرة التصميمة على صناعة تكوين خارجي يمثل هوية المدينة الباردة، لهذا السبب جاءت الخطوط المنحنية على كامل المشروع، كنوع من تجسيد عوامل الرياح القارسة على المبنى. فالكتلتين البيضاويتان تلتفا حول منطقة خارجية (بلازا) خصصت لمشاهدة الإطلالة على المدينة ونهرها الساحر. وعلى الرغم من استقلالية كل كتلة، إلا أن التكوين العام للمشروع والذي يقع على مساحة (80) ألف متر مربع، يعطي شعور بأنها كتلة واحدة تأثرت بعوامل التعرية على مر العصور.

 

عند قراءة المسقط الأفقي، نجد أن المصمم قرر أن تحتوي كل كتلة على جميع الخدمات والفراغات المطلوبة. فالقاعة الرئيسية والتي تتسع إلى (1600) شخص تتوسط الكتلة البيضاوية الأكبر، وتلتف الفراغات الخدمية المساندة لها حول القاعة وداخل الكتلة. يلعب الخشب دوراً مهماً في هذه القاعة، فالمسرح تم إضافته كقطعة فنية خشبية وكأنه تم نحتها على يد فنان عملاق! وفي ظل التضاد بين اللون الخشبي للمسرح واللون الأبيض الذي يغطي الفراغ الداخلي، تم التركيز والإشارة بصرياً نحو المسرح كنوع من إعطاء الأولوية والتحديد ضمن الفراغ الواحد. ولا يختلف هذا الأسلوب في داخل المسرح، فالخشب لا يزال يغطي حوائط المسرح الداخلية وبنفس أسلوب النحت، حيث تظهر المقاعد في تنسيق جديد ومختلف عن ما هو معروف أو متداول في تصميم مقاعد المسارح. إلا أن هذا الأسلوب لم يكن للشكل فقط، فلقد تم دراسة هذه الانحناءات كعامل مساعد للتحكم بالصوت الداخلي كأحد متطلبات تصميم المسارح.

 

 

لا يختلف الأمر بالنسبة للقاعة الثانوية الصغيرة من حيث ابتكار الفكرة، حيث تتسع إلى (444) شخص بتصميم بسيط وبمسرح مختلف نوعاً ما. فالمسرح بخلفيته الزجاجية والمطلة على المنظر الخلفي، يعطي نوع من الاستمرارية البصرية للمسارح بشكل مختلف عن ما تعودنا عليه. ففي الغالب يخفي جدار المسرح الكواليس من ورائه، وهنا يظهر المسرح بشفافية لم نعرفها سابقاً في المسارح أو حتى القاعات.

 

يمكن القول بأن استخدام الألمنيوم لتكسية المشروع من الخارج، قد أعطى إحساس بالمعاصرة في ظل استخدام الزجاج والخطوط المنحنية. تجسيد آخر للمستقبل إن صح لنا التعبير. قد يكون من المهم أن نتساءل حول أيهم كان الأهم للمعماري، هل هو إيجاد الشكل الخارجي بتصميمه الفريد بحثاً عن تجسيد هوية المدينة وبناء أيقونة معمارية مميزة؟ أم أن التنظيم للفراغ الداخلي والذي ظهر بشكل وظيفي متقن كان هو الأهم؟ في الحقيقة أن مراجعة المشروع مرات عديدة لا تقودك لإجابة معينة، فكل ما يظهر لك هو أن هذا المشروع متقن بشكل محترف لتحقيق أهداف التصميم الفراغية من حيث المتطلبات، وكذلك تحقيق أهداف العمارة من حيث صناعة الهوية البصرية.

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد السادس للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر