شانغهاي: التطوير بين خيار الحفاظ أو الهدم

 

شهدت مدينة شانغهاي إحدى المراكز الاقتصادية والسكانية الرئيسية في الصين، توسعًا حضريًا ساهم في تغيير جذري للمدينة ووسطها منذ التسعينات. هذا التوسع جاء وفق سياسات الهدم وإعادة البناء ضن خطط قد يعتبرها البعض من أكثر الخطط قساوة، خصوصاً فيما يتعلق بإطار المجتمعات المحلية أو حتى من حيث الاهتمام للحفاظ على النسيج الحضري أو الهوية التاريخية الهامة للمدينة. إلا أن هذه التجربة الصينية قد استثنت منطقة (شينتياندي) كنموذج بعث الأمل لدى الصينيين نحو الحفاظ على هويتهم.

 

منذ التسعينات في القرن الماضي، أعلنت حكومة بلدية (شانغهاي) سلسلة من السياسات لإعادة بناء الأحياء المتدهورة بما في ذلك المساكن. في ذلك الوقت، كان متوسط المساحة السكنية للفرد أقل من (4م2). هذا الوضع دفع الحكومة المحلية لبلدية (شانغهاي) في عام (1992م) لبدء برنامج سمي بـ(برنامج 365) والذي كان يهدف إلى إعادة تطوير (365) هكتار من الوحدات السكنية المتهالكة.

وكجزء من مبادرة الحكومة للتجديد، طلب من المقاطعات التابعة لمدينة (شنغهاي) المركزية، أن تقترح مواقع للتجديد. حيث أنه سيتم إدراج الموقع ضمن خطة التجديد بمجرد الموافقة عليه. أدت هذه العملية إلى إعادة تطوير منطقة (شينتياندي). حيث تبلغ المساحة الإجمالية للأراضي في منطقة (لووان) التي تقع فيها (شينتياندي) حوالي ثمانية كيلومترات مربعة، وبلغ مجموع سكانها (248,779) نسمة في عام (2010م). وقد تم تطوير موقع (شينتياندي) وفقًا لخطة رئيسية، بهدف التنمية التجارية على أساس الحفاظ واستخدام جزء معين من التراث التقليدي أو ما يعرف بطراز (شيكومن) في العمارة كهوية بصرية، فضلًا عن تخطيط الحي المعروف باسم (لينونغ).

 

التخطيط

أنجزت الخطة الرئيسية لمشروع إعادة تطوير المنطقة في عام (1996م)، ووافقت عليها حكومة بلدية شنغهاي في عام (1997م). ثم بدأت حكومة مقاطعة (لووان) في إعداد خطة لتحديد نسب الأراضي المحددة ونسبة المساحات الخضراء وحدود الارتفاع وغيرها من المعالم والمواصفات لكل كتلة عمرانية. فمن بين (23) كتلة من كامل المنطقة. تم اتخاذ القرار نحو المحافظة على كتلتين فقط، والتي كانت تحتوي على عدد من المباني التاريخية ذات طراز (شيكومن). على أن يتم تجديد هذه المناطق وإعادة دمجها مع مباني ذات استخدامات أخرى مثل المباني الترفيهية والأسواق والمطاعم والمقاهي. وتم تحديد مدة زمنية لعملية التنمية ضمن (10-15) سنة، استعانت حكومة مقاطعة (لووان) مباشرة بشركة (شوي لاند لاند) المحدودة، وهي شركة هندية لوضع فكرة لخطة إعادة التطوير بمفهوم الحفاظ العمراني. ومن ثم استعانت بشركة (سوم) الأمريكية والمتخصصة في الهندسة المعمارية. والتي قامت بوضع المخطط والذي أطلق عليه اسم (شينتياندي) أو السماء والأرض الجديدة. كان يهدف الاسم إلى إعادة بث روح الحضارة في هذه المنطقة، وجعلها مكان أفضل لأغراض الاستثمار. الأمر الذي أثار هدف المخطط الرئيسي لشانغهاي (1999-2020م)، ودعا إلى تطوير مدينة عالمية المستوى. والذي لزم أولاً تحسين نوعية الحياة لجذب المواهب الدولية.

 

بعد الانتهاء من التصور، قدمت حكومة (لووان) المحلية مقترح التطوير إلى مكتب إدارة التخطيط العمراني التابع لحكومة بلدية (شنغهاي). وقام مسؤولو التخطيط على مستوى البلديات بمراجعة الخطة وجمعوا مجموعة واسعة من أصحاب المصلحة لمناقشة التوصل إلى اتفاق بشأن رؤية إعادة التطوير المقترحة. وفي نهاية عام (1997م)، وقعت وزارة الشؤون الاجتماعية اتفاقًا مع حكومة مقاطعة (لووان) تحت إشراف حكومة بلدية (شنغهاي) تحدد فيه منطقة وموقع المشروع والشروط التي توفر الحكومة بموجبها الأرض والمساعدة في نقل الأسر المتضررة. وينص العقد على أن تدفع الوزارة تكاليف النقل والأرض وجزء من البنية التحتية وإعادة تطوير الموقع.

 

 

التنفيذ

بدأ المشروع رسميًا في بداية عام(1999م)، حيث تم بناء حديقة (Taipingqiao) والتي أكتمل بنائها في عام (2001م). وبعد الزيارة التي قام بها الرئيس القومي السابق (جيانغ تسه مين) إلى الموقع في عام (2001م)، تطورت وتيرة العمل في الموقع، وشد الانتباه المحلي والدولي للمنطقة، حيث تم بناء مجمع المكاتب الإدارية أو ما يعرف بـ(شارع الشركات) بالإضافة إلى مبنى سكني فاخر يسمى (لاكيفيل)، وبعد تقلص الآثار السلبية للأزمة المالية الآسيوية، دخل المشروع برمته في مرحلة تطوير متسارعة.

وعلى العموم، بين عامي (1991م) و(2000م)، هدم مجموعة (28) مليون متر مربع من المساكن المتدهورة ونقلت (640) ألف أسرة. وبلغت التكلفة الإجمالية للمشروع حوالي (228) مليون دولار أمريكي لإعادة تطوير منطقة (شينتياندي) ولكن نظراً لتعقيد تجديد المباني التاريخية، فقد تضاعفت التكلفة المقدرة للمنطقة. وبلغ التعويض التقديري المدفوع من الحكومة المحلية من أجل نقل (2300) أسرة نحو (75) مليون دولار أمريكي.

واعتبرت تكاليف مشروع تنمية (شينتياندي) استثماراً كبيراً لمنطقة ذات بصمة طبيعية لا تتجاوز (3) هكتارات. وفي النهاية، لم يكن المشروع مربحاً من زاوية استثمارية. وفي حين تم الاتفاق على أن جميع الممتلكات السكنية المدرجة في المخطط الرئيسي ستباع لتوليد التدفق النقدي، فإن منطقة (شينتياندي) لم تعرض للبيع في حد ذاتها. بل قامت الشركة المطورة بجمع مبالغ الإيجار من أجل الحفاظ على جودة السكن للمستأجرين. وقد أدى الإطار الزمني الطويل للمشروع إلى تخفيض أرباح الشركة مما أدى إلى إطالة وقت الاسترداد لرأس المال والأرباح. الأمر الذي دفع الحكومة في نهاية المطاف إلى إعطاء الشركة المستثمرة (52) هكتار من منطقة إعادة التدوير لتحقيق التوازن بين التكاليف وعدم تحمل الشركة لخسائر مالية كبرى.

 

الدروس المستفادة

أدى إعادة تطوير منطقة (شينتياندي) إلى تحقيق فوائد اجتماعية وسياسية وثقافية هامة، إلا أنها لم تكن ناجحة على مستوى اقتصادي أو استثماري. وتشمل الفوائد العامة للمشروع بناء حديقة وبحيرة (تايبينغكياو)، مما زاد من المساحات الخضراء العامة في مدينة شنغهاي المركزية. مشروع (شينتياندي) ومنطقة (تايبينغكياو) المحيطة بها تحقق الأهداف الإنمائية لتعزيز وتدويل (شنغهاي) وسائل الراحة الجديدة لجذب والاحتفاظ المهنيين في المدينة.

ومع ذلك، فإن القيمة التي تم إنشاؤها من خلال المشروع، هي وسائل الراحة المتقدمة، والتي استفاد منها بشكل مباشر السكان الأصليين. وفي حين تم تلبية مطالب السكان المحليين بتحسين الظروف المعيشية، فقد تم ذلك من خلال نقل جماعي إلى مبانٍ جديدة تقع على مسافة متوسطة البعد من فرص العمل والفرص الاقتصادية. وبشكل عام يمكن القول بأن إعادة التطوير المستقبلية يمكن أن تأخذ في الاعتبار النقاط التالية: (1) يمكن أن يعتبر التصميم الحضري أداة مناسبة لمناقشة المطور والتوصل إلى توافق في الآراء مع المسؤولين المحليين، فضلًا عن أصحاب المصلحة الآخرين منذ البداية. (2) الاستمرار في التنفيذ رغم المشكلات المالية التي واجهت المشروع أعطت ثقة للمستثمرين بالاستمرار وعدم فقدان الأمل في استثماراتهم، الأمر الذي أنعكس حتى على جذب مستثمرين جدد. (3) يمكن أن يساعد إعادة تطوير منطقة خاصة داخل منطقة أكبر ككل على تحقيق التوازن بين التكاليف والمنافع طويلة الأمد. خصوصاً إذا ما تم اعتبار التراث الثقافي من الأصول وشکلاً من أشکال رأس المال التي یمکن أن تعزز ھویة المکان وتولد بل وترفع قیم العقار. (4) هناك مشاريع تنموية قد تفشل من حيث المردود الاستثماري إلا أنها ناجحة من حيث الجوانب الاجتماعية والبيئية والعمرانية.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد السادس للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي