تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

قراءة في كتاب: الطاقة الطبيعية والعمارة التقليدية

 منذ قديم الزمان حاول الإنسان استغلال البيئة الطبيعية المحيطة به لتلبية احتياجاته فبدأ بتقطيع الأشجار لإنتاج الخشب وتكسير الصخور للحصول على الحجارة، وتطور الإنسان في مراحل عديدة من البناء حتى كانت في الألف الثالث قبل الميلاد أولى أشكال الاستقرار المدني للإنسان في الواحات والحارات، ما يعتبر اليوم إرثاً حضارياً في كيفية تعايش الإنسان مع أقسى الظروف خصوصاً في المناطق الحارّة والجافة.

اليوم وبالرغم من وجود الآلة الميكانيكية فإن هناك الكثير من وجهات النظر لأخذها بعين الاعتبار عند تصميم المنزل أو المبنى، فهناك تحديد حركة الرياح والشمس وكيفية الاستفادة منهما بالشكل الأمثل لتوزيع الضوء الطبيعي على أرضية المنزل وحركة الهواء داخل الغرف إضافة إلى طوبوغرافية الأرض وارتفاع المبنى وحجمه وقشرته الخارجية وتوزيع الفتحات وطريقة التقاء المبنى بالأرض وميلان السقف والكثير. وقد أصبح العالم يدعو لإعادة اكتشاف هذه الأساسيات نظراً للمشاكل البيئية المتفاقمة وعدم استقرار أسعار النفط. إن أدبيات الهندسة المعمارية والبناء تحتوي وبشكل لافت على العديد من الكتب حول هذه المواضيع إلا أن كتاب "الطاقة الطبيعية والعمارة التقليدية" لشيخ المهندسين الأستاذ حسن فتحي يعتبر كتاباً مؤسساً في ذلك.

كان المهندس حسن فتحي يرى فوضى العمارة من حوله، وكأن حريقاً شبّ في المنطقة من خلال الأجهزة والتقنيات المتوافرة والتي حررت الإنسان من كل القيود وأصبح يشيّد مبانيه في أي مخطط على وجه الأرض دونما اعتبار للبيئة المحيطة. كان حسن فتحي يحلم بتصميم بيت شرقي يحفظ الخصوصية المصرية وتقاليدها وترابطها ويحترم البيئة المحيطة في آن. كان يؤمن أن الإنسان لديه التزامات تجاه الطبيعة ، فهي متوازنة بقدر في وجودها، وإدخال عنصر إضافي جديد لا ينتمي لها يلحق بها الضرر وهي جريمة بحق البيئة والمتضرر الأخير هو الإنسان فهو ابن هذه البيئة وينتمي إليها.

جاء هذا الكتاب بهدف تقديم حلول بسيطة لمشاكل البناء والإسكان في العالم الثالث، قدّمه إلى جامعة الأمم المتحدة مشتملاً على أمثلة ناجحة من العمارة التقليدية في الأقاليم ذات المناخ الجاف والحار. ونشرته جامعة شيكاغو باللغة الانجليزية عام (1986م) وبعد عامين تمت ترجمته إلى اللغة العربية في بيروت. يحتوي الكتاب على سبعة فصول يبتدأها بـ"العمارة والبيئة" حيث يشدد على أهمية التكيف مع البيئة المحيطة واستغلالها الاستغلال الأمثل وأن الحضارة الإنسانية تكمن في فهم ذلك بشكل بسيط، مستدلاً على الكائنات الحية التي تقدم درساً لنا في التكيّف بالقدرة على تنظيم درجة الحرارة واستهلاك الماء من خلال التنفس وعمليات التمثيل الضوئي وهي في ذات الوقت تؤثر على حرارة الموقع بشكل إيجابي. فعلى سبيل المثال الحرارة الناتجة من التنفس تؤدي لإنتاج الماء (العرق) لأجل التبريد وتبخر هذا الماء يضبط حرارة الموقع إلى حد معيّن. والمبنى بذات الطريقة على المعماري أن يصممه لتحسين البيئة المحيطة، فنسبة مساحات النوافذ إلى مساحة الحائط يجب أن تقل لتجنب وهج الشمس مع بروز الشرفات لإلقاء الظلال الطويلة واستخدام مواد البناء المسامية والعضوية التي تتفاعل بشكل إيجابي مع الرطوبة والحرارة بعكس الطوب الإسمنتي والصفائح الحديدية المصمتة التي لا تسمح بمرور الهواء. ويلقي حسن فتحي على المعماري مسؤولية دراسة بيانات الأرصاد الجوية وخصائص المواد وفيزياء الهواء وحركة الرياح ومن ثم ترجمتها وتطبيقها في تصاميمه المعمارية.

في الفصلين الثاني والثالث يتناول حسن فتحي الديناميكا الحرارية في العمارة وعلاقتها براحة الإنسان فلكل مادة خواص حرارية محددة في توصيلها وتخزينها وانعكاسها ويدعو المعماري إلى التعادل بين الطاقة المكتسبة والطاقة المفقودة فلا يصح أن يتم تبريد البيت لتتدفق البرودة إلى الخارج والعكس صحيح. وكل مادة أو جسم لها خاصية حرارية إشعاعية بما في ذلك جسم الإنسان الذي ينتج الحرارة وفهم هذه الخواص الفيزيائية يساعد المعماري لخلق بيئة معتدلة وملائمة لراحة الإنسان. وليست الحرارة هي العامل الرئيسي فهناك الضغط الجوي والرطوبة فمن الممكن أن يعيش في أثينا إنسان بدرجة حرارة (32) درجة سيليزية بكل أريحية إلا أن ذلك مزعج وغير مريح أبداً في البحرين على سبيل المثال.

ثم في الفصل الرابع يخصص حسن فتحي الحديث عن الشمس لمعرفة زوايا تقلبها بين الشتاء والصيف ، فهي تشرق بارتفاع مختلف ومن زاوية مختلفة وعلى المعماري ملاحظتها ودراستها لتجنب دخولها إلا في الأوقات التي يكون مرحباً بها في داخل المنزل كوقت الشروق والغروب، ما يعني التحكم في اتجاه النوافذ ومساحتها أو إضافة كاسرات الشمس في المباني التي لا يمكن تجنب الشمس فيها. وبشكل مترابط ومتسلسل يتحدث في الفصل الخامس عن أثر الريح في حركة الهواء؛ فالنوافذ كما تسمح بدخول أشعة الشمس فهي تسمح بدخول الهواء وفي كثير من الأحيان تكون فتحات التهوية الصغيرة أكثر فاعلية عن النوافذ الكبيرة لتوفير عمل الخصوصية والتوزيع المنتظم، وهي ذاتها فكرة المشربية المتضمنة فتحات صغيرة تسمح بنفاذ الهواء وتكسر أشعة الشمس وتلقي بالظلال في آن. في الفصلين السادس والسابع يتناول شرحاً عن بعض التطبيقات لخلق تفاوت في الضغط داخل المنزل من خلال الفناء، أو معدل الرطوبة من خلال النافورة مدعمة بالمعادلات الفيزيائية والراضية وهي مما يميز الكتاب أنه كتاب علمي وسردي في آن يخاطب كلاً من أصحاب التوجهات العلمية أو الأدبية ولا غنى عنه لكل معماري. وملحق بالكتاب نماذج في صور ومخططات لأمثلة من العمارة التقليدية التي استغلت الطاقة الطبيعية.

ما يثير الإعجاب في كتاب المهندس حسن فتحي أنه خطّ بأسلوب علمي مبسط يشرح توازن الطاقات في هذا الكون، وإذا ما اختل هذا التوازن فإن انزعاجاً يصيب المنظومة بأكملها.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر