تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

الملء بالفراغ بسكن الحفر حين يكون لتوافق الأضداد مكان

 

يُعرّف الغَارُ بأنّه: "كلُّ مُنْخَفِض من الأَرض. والغَارُ مثلُ البيت المنقور في الجبل". إذ تُعدّ الغيران أحواشاً حفريّة في شكل غرف تُحوّل الحصن المحفور من مجرّد كرى غائرة إلى سكن كفيّ، لتشكّلَ الغيران السّكن بمعناه الكامل بينما الغرف المضافة أمام السكن الحفري تُشكّل مكان الخزن لتكون النواة الأولى من قمة الجبل في اتجاه مواضع منخفضة نسبياً على جنبات السكن الحفري (الغار). لعلّ المسكن المحفور هو تطوّر للمسكن المنقور على قمم الجبال كما تعرّفه الذاكرة الشعبية بالكهوف الجبلية المحفورة المنقورة أفقياً على الصخر حيث نجد مزيجاً بين الحفر والبناء، فأصبح المسكن بمواد إنشائه المحلية جزءاً من الجبل.

سُكنى الجبل، مجال سكني تجاوز قسوة الإطار الطّبيعي وتخطّى عوائق التّضاريس. بناءات امتدّت على المساحة الضيّقة المتاخمة للواحة فتتجاوزها لتحاكي تضاريس الجبل ونتوءاته. هذا التّشكّل يلغي الحدود بين ما هو إنساني وما هو طبيعي لتكون الوحدة. ليكون الجبل ذلك الفضاء المُلغز، مفارقة للمألوف تقف على عمق هذا الحضور، وينفتح أمامنا فضاء آخر غيّر القواعد والقوانين.

منح الجبل قُراهُ حياةً، فميّزها ولا يزال، ليكون "المعمار الجبلي". مساكن تتشعّب في الارتفاعات، تُحاكي واجهاتها مورفولوجيا الجبل، تُجاري نتوءاته، ليمتدّ البنيان، فيتراءى مشهد البناءات متشاكلاً مع الجبل، مُتماهيا مع إملاءات البيئة. فأين السّكن من الجبل؟

صمّمت القرى والبيوت التقليدية الجبلية على أسس جغرافية وهندسية شديدة الدقّة. فقد خلق البناء "الحفريّ" في الجبل فسحات داخلية، طوّقت بحيطان سميكة وصمّاء، أحاطتها من جهات ثلاث وجعلتها امتداداً للدّاخل (المغارة). الجزء الأكبر من مساكن الحفر، يشمل عدد (2)أو (3)حجرات صغيرة تحت سطح الأرض خُصّصت للنوم أو للتخزين وهنا يوجد غرفة فسيحة تستعمل كحجرة معيشة، المكان الوحيد الذي يتيح فرصة الوقوف على القدمين وفرد القامة.

جبالٌ عُمِّرت مساكن ومساكن أثّثت جبالاً، "يتّسق السّكن مع البيئة من حوله، ينحتها ويتماهى مع شكل الحجر" فتعطي الطبيعة صورتها للسّكن، ويفرض المعطى شكله على المُقام بنيانًا.

إن أساس تكوّن الغار هو الحجر على اعتبار أنه الأرضية والسقف. لعل تركيبة الجبل وثبات الحجارة تجعل من الغار رواقاً عميقاً بحيث لا يتعدى العرض (2.5)متر، أما الطول فيمكن أن يتجاوز (12) متر، ليكون الارتفاع محدوداً بسبب الطبقتين الحجريتين للجبل المتراوح بين (1.8) متر و(2.4) متر. فسكان الجبل حفروا بيوتهم في جوف الجبل بمواصفات هندسية تضاهي ما شيدته بقية الشعوب على سطح الأرض.

ينشأ السّكن القائم على مُنبسط الأرض على مراحل وبنسق تطوّري، حسب حاجة شاغريه، كما هو الشّأن مع سكن الجبل. بحيث ينشأ السّكن بأسلوب توسّعي، لا يكون فيه التّشييد دفعة واحدة، بل يتفرّع تِباعاً عن جزء أقيم سلفاً. "فالطّابق الثّاني مثلاً يتكوّن من غُرف مُنفصلة عن بعضها البعض. وهي دلالة على الرّغبة في التّوسّع". يتأسّس البناء تكويناً متنامياً حسب الحاجة، فينشأ ما بين البناء بالإضافة والحذف بناء جديد. ليكون تتمّة لعلاقة الثّنائي (الأعلى والأسفل)، وتكون قراءة أجدّ للفضاء الجبل/السّكن.

المغارة صِنْوٌ في الجبل، تحوي داخلها مغارات أخرى، وتُسمّى في الملفوظ المحلّي (الرّواشن)، مفردها (روشن) وهو المثغر والمنفذ. يقوم أسلوب الإنشاء على مبدأ التّوالد وتكاثر الخلايا السّكنيّة تتابعاً، دون ترتيب تفاضلي، أو تساوي في الوحدات. يتشكّل الفراغ من تضاءل الملء، ويُعطي الحفر صفات جديدة للفراغ الممتزج مع المادّة، لتحقيق المغارة الدّائمة التّشكّل. وتولد المغارة دون امتلاء ولا اكتفاء، لتكون فضاء لا يُستنفذ، بل سكن التّجاوز الدّائم والتّحوّل المستمر.

كما البناء المشيد، يترتّب "المعمار الجبلي" بطريقة مُتدرّجة، متراكبة، مساكنه تتشعّب في الارتفاعات، تنصهر واجهاتها مع مورفولوجيا الجبل، مُلتحمة بمرتفع الجبل، تستند عليه في جانب واحد أو في جانبين من جوانبها الأربعة. يمتدّ البنيان، وينزل مُنتظماً، مُتفاعلاً بمُجاراته للجبل، مُتشبّثا بطبوغرافيّته، دون نتوء بارز، مُكتفياً بما وصل إليه من ارتفاع. يتراءى مشهد البنيان في الموقع مُتشاكلاً مع الجبل، مُتماهياً مع إملاءات البيئة. فتنشأ علاقة عُضويّة بين المبنى والموقع. معمار مُتراصّ بنيانه، تتكاتف فيه المنازل وتتراكب، لتُشكّل وحدة. تتكدّس فوق بعضها، دون أن تنوء تحت أثقال البناء المُتكتّل.

سكن مُلتفّ حول الجبل، تتآلف فيه أسطح البيوت مع تضاريس الجبل وتتجانس الأدراج الحجريّة مع الموقع، مُتراتبة مع نتوءات الجبل فتكمّلها. تضيق المسالك تارة وتتّسع أخرى، مهاودة مورفولوجيا الجبل، ترسُم لها مساراً حلزونيّاً، يتلوى ويختفي نحو القمّة، يرتبط بأزقّة فرعيّة لا مرئيّة دون نظام تفاضلي حتى يصل كُلّ المنازل. فكلّ ما يحيط بفضاء السّكن يحيل إلى الغلق وكُلّ ما هو "دَخْلاني" خاصّ ومحجور. بمسكن الغار يتلمّس الجسد المكان، يلجأ إلى الأرض، يتحسّس الجدران ويرقب السقوف، تعترض خطواته الأعمدة منذ لحظة بناءه ليستهلك السكن المكان ويعيد إنتاجه.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر