تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

التجربة الفرنسية لتحقيق تنمية عمرانية متوازنة بين المدن والأقاليم

 

نتيجة للهيمنة الاقتصادية التي تمتلكها بعض المدن والأقاليم عن غيرها في بلد ما، تسعى بعض الدول في العالم لوضع استراتيجيات وآليات للحد من هذه الهيمنة، وإيجاد تنمية عمرانية عادلة ومتوازنة تمتد عبر أرجاء البلاد. غير أن المدن والأقاليم الجاذبة للاستثمارات استطاعت خلال مدة زمنية تكوين ميزة معينة أو تعزيز فرص تنميتها. بالمقابل نجد أنه بالرغم من امتلاك إقليم أو مدينة متوسطة أو صغيرة ميزة اقتصادية تنافسية تساعدها بالنهوض والرقي في إحدى المجالات الصناعية والسياحية وغيرها، إلا أنها تعاني من هجرة الاستثمارات والسكان والقوى البشرية. قد يعزي بعض خبراء التنمية الإقليمية سبب ذلك الضمور في التنمية إلى المركزية الإدارية في عملية اتخاذ القرار، والذي أدى إلى توزيع غير عادل للثروات وأضعف مسببات النمو في تلك الأقاليم الأقل حظاً. في الواقع، تتفاوت نسب نجاح تحقيق تنمية إقليمية متوازنة بين الدول. في حين اتجهت بعض الدول لإنشاء مدن جديدة لتحقيق هذا التوازن الإقليمي، تبنت دول أخرى التعزيز والتركيز على الفرص والميزات التنافسية للأقاليم والمستوطنات الأقل نمواً. بالإضافة إلى اتخاذ سياسات جديدة مثل اللامركزية الإدارية وتوزيع السلطات.

 

فرنسا من الدول التي حاولت تقوية الدور الوظيفي الإقليمي للمدن وإيجاد تنمية عادلة ومتوازنة من خلال إعادة الهيكلية الإدارية وتفويض صلاحيات أكثر للمسؤولين في هذه الأقاليم. كان التركيز السائد في البداية لاعتماد سياسات تنموية جديدة، الحد من الهيمنة الاقتصادية للعاصمة الفرنسية باريس وتقليل الفجوة في التنمية بينها وبين بقية المدن. في عام (1963م) قام (DATAR) (مكتب الحكومة الفرنسية المسؤول عن السياسات المكانية والإقليمية) باعتماد سياسة التنمية المكانية الإقليمية الفرنسية والتي كانت تهدف إلى ضمان الانسجام في التنمية وإعادة التوزيع الجغرافي للأنشطة الاقتصادية، ومعالجة المشاكل السكانية والاقتصادية التي تسببت بحدوثها المركزية المفرطة في عملية اتخاذ القرار. بلغت اللامركزية الصناعية ذروتها في عام (1973م) خلال فترة الأزمة الاقتصادية. وفي منتصف الثمانينات الميلادية، تم اتهام (DATAR) بالفشل نتيجة نقص الموارد المالية مع ارتفاع الاحتياجات السكانية وحصول المناطق المسؤولة عن التنمية على المزيد من الصلاحيات، حيث أظهرت تجربة سياسة التنمية المكانية عدم الترابط بين اللامركزية السياسية واللامركزية الصناعية التي انتشرت على المساحة الجغرافية لفرنسا. ولتخفيف أعباء الأزمة الاقتصادية، قررت السلطات على مستوى التخطيط الوطني والإقليمي والمحلي دعم بعض المشاريع بشكل متساوي، بحيث يكون هذا التوجه هو السمة السائدة لدف عجلة التنمية.

 

عام (1973م) تم تبني استراتيجية (balance metropolises) التوازن بين عواصم المناطق، والتي تستهدف ثمانية مدن وهي: ليل-روبية-توركوان، نانسي ميتز، ليون سانت اتيان، مرسيليا-إيكس، تولوز، نانت سان نازير، وبوردو، وستراسبورغ. كان الغرض من استهداف تلك المدن، تطوير الوظائف الرئيسية وإيجاد موازنة إقليمية بينها وبين العاصمة باريس. كما اعتمدت السياسات العمرانية في تلك الفترة استهداف المدن متوسطة الحجم (20 – 200) ألف نسمة، بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية واللامركزية في توفير الخدمات العامة. أعتبر تبني هذه السياسات العمرانية المكانية التكنوقراطية، المحرك الأساسي لنشوء اللامركزية في التنمية خلال الفترة (1982-1983م). كما تم إيجاد أرضية مناسبة لإنشاء سلطات إقليمية مستقلة ومنتخبة لإدارة التنمية.

 

عام (1985م) شهدت فرنسا تنمية عمرانية متوازنة وعادلة بين المدن وباريس إلى حد ما، وعلى أثرها أتضح لـ (مكتب الحكومة الفرنسية المسؤول عن السياسات المكانية والإقليمية) بأنه لا يوجد منافسة إقليمية بين مدينة باريس وبقية المدن ولكن بقية منافسة باريس لجذب الاستثمارات العالمية والأوربية ضعيفة. ولتعزيز الدور والمكانة العالمية والأوروبية للعاصمة الفرنسية، قرر المكتب التوقف عن العمل بأغلب المنهجيات المستخدمة للتنمية في الخطة المعتمدة سابقاً، وتم اعتماد خطة التنمية الإقليمية الحضرية لمنطقة باريس والتي تطمح إلى أن تكون أكثر واقعية وملائمة مع الوضع الراهن والدمج بين عناصر الكفاءة والمساواة للتنمية بين الأقاليم. عام (1989م) ظهرت فكرة (الموزة الزرقاء) والتي تهدف إلى تحقيق تكامل اقتصادي في أوروبا من خلال تركيز التنمية في التجمعات الحضرية التي تمتد من شمال إنجلترا إلى جنوب إيطاليا وسط أوروبا وتعتبر بمثابة العمود الفقري لها كما تحتوي على طرق التجارة المعروفة وتكدس رأس المال في أوروبا، مما أدى إلى مراجعة الخطة التي اعتمدت عام (1985م).

تتلخص التجربة الفرنسية لتحقيق تنمية متوازنة وعادلة بين المناطق في النقاط الآتية: (1)عند الشروع بإعداد سياسات وطنية وإقليمية للتنمية المكانية لابد أن نكون أقرب إلى الوضع الراهن واحترام الدور الرئيسي التي تقوم به المدن المهيمنة للتنمية. (2) دراسة مدى التأثير الاقتصادي للدول المجاورة على التنمية الداخلية للبلد. 

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر