أمن المدن: من السور إلى كاميرات المراقبة

 

 

أصبح من الشائع اليوم أن ترى كاميرات المراقبة في كل مكان تذهب إليه، على بوابة منزل صديقك، أو في مدخل مقر عملك أو متجر البقالة القريب منك، أو حتى في مسجد الحي! فالكاميرات اليوم هي أحد وسائل الوعي الأمني داخل المدن شئنا أم أبينا. قد يكون السؤال الأهم هو: لماذا وصلنا إلى هذا المستوى؟ هل هو بسبب المدينة؟ أم المجتمع؟ أم الاقتصاد؟ أم هو تدني الوازع الديني والأخلاقي؟ في هذا العدد سنتناول هذه التساؤلات من منظور عمراني.

 

ضريبة التمدن

ارتبطت المدينة العربية بالسور كنوع من الإجراء الأمني للحماية من أي مصادر تهدد أمن ساكنيها، ليس ذلك فحسب، بل أن النسيج العمراني المميز لتلك المدن، كان يلعب دور آخر في عملية التنظيم الأمني بنهاياته المغلقة ودهاليزه الضيقة. إلا أنه ومع التطور الحديث للمدينة المعاصرة، أصبحت تلك البيئة العفوية هي مصدر تهديد آمني! لا نقصد القرية أو المدينة القديمة في تكوينها العمراني بحد ذاته، بقدر ما نقصد تفاعلها ضمن المدينة الجديدة المنظمة والواسعة.

فالعملية الأمنية التي كانت ناجحة في مدننا وقرانا، أو حتى أحيائنا القديمة، لم تكن بفعل التنظيم العمراني وحسب، بل كانت بفعل النشاط الاجتماعي آنذاك واستخدامه لهذا التنظيم بغرض الحماية. وفي غياب هذا النشاط الأمني المجتمعي أو تغير هدفه ومغزاه، فإن التنظيم العمراني العفوي أو العشوائي يصبح وكراً لممارسة الجرائم.

 

الأحياء الفقيرة في قفص الاتهام

يلقي الكثير من المختصين اليوم بأصابع الاتهام للأحياء الفقيرة في المدن وضواحيها، كمراكز للمدن القديمة أو الأحياء العشوائية أو حتى الأحياء التي يسكنها الفقراء من المجتمع. وعلى الرغم من أن هذه الأحكام أو الاتهامات تستند إلى سياق نظري في مجملها! إلا أن هناك العديد من الأسباب وراء هذه الاتهامات، حيث تتعدد العوامل الدافعة لجعل هذه البيئات غير صالحة أو سوية، إما لتدني مستويات الدخل أو لتدني مستويات التعليم أو حتى للبعد عن أعين الجهات الأمنية. الأمر الذي يدفع في نهاية الأمر إلى أن تتحول تلك العوامل إلى سلوكيات يمارسها أفراد مجتمع تلك البيئات مع الوقت.

وعلى افتراض أن هذا التوجه صحيحاً من حيث العوامل والمبدأ والأحكام، إلا أن الإشكالية الكبرى في التعامل مع هذه الفئات أو المجتمعات تكمن في تجاهلها في كثير من الأحيان، الأمر الذي يساهم في اتساع الفجوة بين هذه الشريحة والشرائح الأخرى من المجتمع، سواء من حيث التنمية الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية أو حتى العمرانية. مع العلم، بأن التنمية العمرانية تلعب دور كبير جداً في تأسيس هذه البيئات داخل نطاق المدن، وبالأخص المدن الكبرى وجذبها للأفراد.

 

الجريمة والمدن

هناك شبه إجماع على أن هناك علاقة طرديه بين حجم وكثافة سكان المدن وبين ارتفاع معدلات الجريمة، هذا الإجماع يأتي لعدة أسباب تم رصدها ودراستها من قبل عدد من المتخصصين في مجالات مختلفة، فبحسب (تقرير صادر عن برنامج الموئل للأمم المتحدة) عن الجريمة في القطاع الحضري، تم تحديد عدد من الأسباب التي تتعلق بارتفاع نسبة الجريمة نتيجة لكبر حجم وكثافة المدن، هذه الأسباب يمكن سردها على النحو التالي: (1) تنوع الضحايا من الفئات المختلفة، وبالتالي استمرارية العمل على السرقة. (2) إمكانية ارتكاب أنواع مختلفة من الجرائم. (3) وجود أسواق ثانوية يمكن من خلالها بيع المسروقات. (4) ضعف احتمالية إلقاء القبض من الجهات المعنية. (5) وجود الفئة المعاونة أو إمكانية تشكيل العصابات.

إلا أن علاقة الجريمة لا تقف فقط عند هذه الأسباب أو التفسيرات، فهناك جوانب آخر تتعلق بالتصميم العمراني الحديث للمدينة، سواء من حيث الجانب الفيزيائي أو العمراني للمدينة أو من حيث الإطار التنموي المحلي للمدينة. ولذلك يسعى الكثير من المخططون العمرانيون نحو حل هذه الإشكاليات ضمن مفاهيم التطوير العمراني لهذه الأحياء وفق معيار محدود للتدخل بغرض احتوائها ضمن النطاق العمراني والعمل على تطويرها تدريجياً ضمن المجتمع.

وعلى الرغم من ذلك، يظل هناك جدل واسع حول جدوى التطوير والدمج بين المختصين من مختلف المجالات، فالبعض يرى ضرورة التدخل المباشر وتطهير المدن من هذه المناطق، والبعض يرى ضرورة التعامل بحذر مع هذه المجتمعات حتى لا تتحول الأمور نحو الأسوأ. وبغض النظر عن التوجهات أو نظريات الحلول لهذه الإشكالية، تبقى المشكلة الأساسية القائمة في المدن اليوم هي تدني مستوى الأمن، ليس على مستويات السرقة والسطو وحسب بل حتى على مستويات أكبر من ذلك.

 

 

العمران من منظور أمني

يواجه مجتمع المدن اليوم عدد من التهديدات والمخاطر الأمنية التي لم تكن ضمن سياق الانتقال للمدينة الجديدة، والتي كانت تمثل نوع من المرحلة الانتقالية لما هو أفضل، ليس على المستوى المحلي وحسب بل حتى على المستوى العالمي. بشكل عام، يمكن القول بأن الجرائم اليوم تتجاوز تلك الجرائم الجنائية والمتمثلة في القتل كما نتخيلها في أذهاننا دائماً عندما نسمع كلمة (جريمة)، اليوم هناك أنواع ومستويات من الجرائم يمكن تصنيفها وتحليلها ضمن نطاق البيئة العمرانية ومن منظور أمني، فعمليات السرقة والسطو تختلف عن ممارسة تجارة المخدرات، أو الاعتداءات أو التحرش، وتختلف عن جرائم النصب والاحتيال أو القتل، وحتماً تختلف عن الجرائم الإرهابية.

ولذلك يواجه المخطط العمراني اليوم، العديد من العوامل التي يجب أخذها في عين الاعتبار قبل وأثناء عملية التصميم، أو حتى إعادة التصميم والتطوير الحضري للمناطق. والسبب في ذلك أن عامل توفر الأمن في المدينة اليوم عاد بشكل أقوى من شكل عامل الأمن في المدينة القديمة بسورها وحصونها وقلاعها. فالأمر اليوم يتجاوز تلك المساحات الصغيرة والممكنة إلى ضبط العملية الأمنية ضمن اتساع عمراني على المستوى الأفقي والرأسي كما نشاهده في المدن.

 

نظرة على التصميم الأمني

تلعب البيئة العمرانية دور كبير جداً في حدوث هذه الجرائم، فمسرح الجريمة كما يعبر عنه في السياق الأمني، هو فراغ عمراني إما داخلي أو خارجي، بمعنى أنه مرتبط بالمدينة والحي والمبنى بشكل أو بآخر. ولهذا السبب يولي الكثير من المختصين الاهتمام بتصميم البيئة العمرانية لتقليل مثل هذا النوع من الجرائم. وبشكل عام، يأتي التصميم الأمني وفق ثلاث مستويات رئيسية:

المستوى الأولى: هو الخط الأول أو المنطقة المفتوحة في المدن، حيث الساحات والميادين وغيرها من المناطق المفتوحة، وعادة ما يتم التعامل مع هذه المناطق باستخدام العناصر العمرانية الخارجية، مثل الحواجز أو عناصر تنسيق المواقع كالمسطحات المائية والمقاعد الخارجية. أو حتى من خلال تخطيط عروض وأطوال الشوارع وإنارتها. ويعد هذا المستوى صعب في التنفيذ خصوصاً في المدن القائمة، بالإضافة إلى أن هناك الكثير من العوائق التي قد تمنع من تنفيذ جميع المتطلبات الأمنية العمرانية. وهذا ما يدفع بشكل كبير إلى استخدام كاميرات المراقبة في هذه المناطق العامة بشكل مكثف.

المستوى الثاني: وهي المنطقة الداخلية بين المبنى وبين حدود المستوى الأول. وهذه المناطق تعتبر ضمن الملكيات الخاصة سواء للأفراد أو الحكومات. حيث كثيراً ما يعمد إلى استخدام الأسوار أو الحواجز لحماية هذه المنطقة من الفراغ الخارجي للمدينة. وكثيراً ما يتم وضع التحذيرات اللازمة لعدم الاقتراب من هذه الأسوار. إلا أن درجة التعامل مع هذا المستوى تختلف باختلاف المنشأة المحمية. فمثلاً المباني الحكومية الحساسة تكون فيها درجة الحساسية عالية مقارنة مثلاً بالمجمعات السكنية أو الفلل الخاصة. هذا المستوى يعتمد أيضاً على وسائل تمنع الوصولية مثل السلك الشائك أو الأسلاك الكهربائية أو حتى كلاب الحراسة (أجلكم الله) بالإضافة إلى كاميرات المراقبة.

المستوى الثالث: يتعلق بالمبنى نفسه وفراغاته الداخلية وكيفية التنظيم، وتختلف متطلبات التصميم الأمني لهذا المستوى بحسب المنشأة نفسها ونشاطها وموقعها. كالأسواق والمراكز التجارية، المطارات ومحطات النقل، البنوك، مؤسسات وأجهزة الدولة وغيرها. وفي الغالب هناك عدد من المتطلبات والاشتراطات المعمارية لتحقيق تصميم أمني جيد.

 

لاشك أن عامل الأمن داخل المدن من أهم عوامل بقاء تلك المدن، فالأمر ليس وليد اليوم، بل يمتد إلى أول أشكال المدنية البشرية، عندما كانت المستوطنات البشرية تنشئ لتوفير الأمان لأفرادها من أخطار المحيط الخارجي. إلا أن هذا العامل قد تطور خلال السنوات الماضية بشكل مخيف وملفت، هذا التطور جاء نتيجة للكثير من الاضطرابات السياسية والاقتصادية في أنحاء العالم والتي نتج عنها ظهور أنواع جديدة ومتطورة للتصدي لمثل هذه السلوكيات على اختلاف مستوياتها. ومع هذا التطور في عمليات الضبط الأمني بالوسائل المختلفة، يبقى العامل الاجتماعي مهم جداً في ضبط العملية الأمنية، ليس فقط ضمن مفهوم الشرطة المجتمعية، بل أيضاً من حيث أخذ الاحتياطات الأمنية اللازمة لحماية الأفراد والمجتمعات والأطفال والممتلكات، وبالتالي تسهيل مهمة الجهات الأمنية لرفع مستوى الضبط الأمني. عمرانياً، قد يكون الدور الأساسي في هذه الحالة، هو الخروج بعدد من الحلول والأفكار التصميمية لمثل هذا النوع من المتطلبات وعلى المستويات المختلفة. هذه المساهمات قد تساعد في رفع مستويات الأداء الأمني ضمن البيئة العمرانية، مع تحقيق الفعالية الوظيفية لتشغيلها.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد السابع للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي