مساكن أم قصور؟ (ثقافة العيب)

 

السؤال: لماذا لا تُصمم مسكنك بما يناسب احتياجاتك؟

الجواب: اتق الله يا أخي ماذا سيقول الناس!

السؤال: لماذا تُبالغ في أحجام المجالس وصالات الاستقبال وغرف الطعام التي لا تُستخدم إلا نادراً؟

الجواب: حرام عليك وهل نحن أقل مكانة وقدراً من أهلنا وجيراننا ومعارفنا!

 

هذه بعض الردود التي تتكرر عند تصميم المساكن في البيئة الخليجية التي تتميز بالرفاهية والمباهاة والتفاخر في أحجام المساكن وبالتالي المزيد من الديون والتفكك الاجتماعي وكل ذلك باسم (ثقافة العيب).

ثقافة العيب غزت أفهام وعقول الخليجيين بدءاً من العمل الذي حرم الآلاف من الشباب التدرج الوظيفي بحجة أن هذه الوظيفة لا تناسب المواطن الخليجي ولا تناسب مستوى أسرتنا وكأن آباءهم وأجدادهم كانوا مدراء ووزراء ورؤساء مجالس إدارات، ثم تدرجت هذه الثقافة مع الشباب إلى امتلاك سيارة فهو لديه الحد الأدنى من المواصفات التي يجب أن تتناسب مع مكانته العظيمة فقد كان لأحد زملائنا في الجامعة سيارة صغيرة ويرفض قيادتها ويُفضل الركوب مع أحد زملائه لأنها في وجهة نظره "تفشّل"! ثم جاءت الطامة بانتقال ثقافة العيب إلى تصميم وامتلاك بيت العمر وحيث أنه "أغلى سلعة يشتريها الإنسان في حياته" فإن المبالغات فيه كبيرة كما أن التفاوتات في مواد البناء لا تكاد تُصدّق فمثلاً يمكنك بناء مسكن بحجم معين و بسعر معين وبإمكان تغيير المواصفات أن يتضاعف سعره مرات عديدة.

محاربة المبالغة وقتل ثقافة العيب وظيفة الجميع بدءاً بقدوات المجتمع من الوزراء والرؤساء وأبناء الأسر الحاكمة فليس بالضرورة أن يعكس المسكن مكانتك الاجتماعية فأنت قبل أن تكون وزير أو مدير فأنت إنسان عليك أن تعيش إنسانيتك وأضرب لك في ذلك مثلاً "تخيل أنك بدأت عملك كموظف بسيط وبنيت مسكن مناسب لك ولأسرتك ثم مع مرور الأيام تطورت حالتك الوظيفية فأصبحت مدير عام ثم رأيت أن البيئة لا تناسب مستواك فغيرت مسكنك وجيرانك ومستوى معيشتك ثم بعد سنوات رزقك الله فأصبحت وزير هل المطلوب أن تغير مسكنك تبعاً لتطورك الوظيفي" قد يردد البعض إن الاحتياجات تزداد كمجالس الاستقبال وغيرها وجواب ذلك أن كل المساكن قابلة للتمدد ومعظم الناس يفعل ذلك ولكنك لست بحاجة لتغيير جيرانك وأهلك تبعاً لمستواك الاجتماعي والوظيفي وتبعاً لثقافة العيب التي نزرعها في عقولنا مثل "ماذا سيقول الناس هذا مسكن وزير!".

ولأن المسكن ليس كالسيارة أو غيرها من الأشياء فهو يتجاوز الجانب المادي والقدرة المادية إلى الجانب الاجتماعي والحياة الاجتماعية فقد رسخ التخطيط العمراني والمساكن الكبيرة والتي تعتبر ممالك مستقلة العديد من الثقافات الغير منطقية وبعيدة عن الاحتياجات الأساسية للمسكن وأصبحت الرغبات هي المحرك الأساسي في اختيار مسكن العمر بدءاً باختيار موقع المسكن وهو أن يكون على طريق رئيسي أو تقاطع بارز يراه الناس، مروراً بحجم المسكن الذي يتسع لأربعة أضعاف أفراد الأسرة انتهاءً بنوع التشطيب الذي يجعل رب الأسرة يدفع ثمن المبالغة في مسكنه ما تبقى من حياته، إضافة إلى ذلك نرى أن التواصل الأسري يضعف مع زيادة حجم المسكن بحيث يكون كل فرد من العائلة في جناح منفصل عن الآخر، وكذلك التواصل الاجتماعي بين الجيران يضعف أيضاً بزيادة حجم الأراضي وذلك أن الحركة إلى المسجد أو بين الجيران تصبح مستحيلة مشياً على الأقدام وتكون الحركة الأساسية بالسيارة والتي حتماً لا تشجع على اللقاء وتبادل أطراف الحديث، وأخيراً فإن علاقة الأطفال تكاد تكون معدومة في أحياء المدينة السكنية الحديثة لعدة أسباب أهمها تباعد المساكن بسبب حجم الأراضي الكبيرة وهذا يقلل فرص التجمع في مناطق خارج المسكن وبالمقابل فإن حجم فناء المسكن الكبير هو الذي يجعل المسكن مملكة مستقلة تتوفر فيها كافة الألعاب والملاعب والتي لو وجدت في منطقة مشتركة في الحي لساهمت في تكوين الصداقات وزيادة المعارف.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي