التصحر: الخطر الذي سيواجه أطفالنا

 

يأتي التصحر على قائمة المخاطر البيئية الهامة للكثير من الدول، خصوصاً تلك التي تعيش في ظروف مناخية جافة أو شبه جافه. وعلى الرغم من المخاطر التي يكتنفها التصحر ضمن آثاره، نجد أن الوعي بهذه القضية لازال أدنى من المستوى المطلوب. كون القضية تتعلق بمسألة البقاء على وجه الأرض، وترتبط بشكل كبير بمستقبل وحياة أطفالنا. في هذا العدد سنحاول التعريف بهذه الإشكالية وإلقاء الضوء عليها.

 

محاولة للإدراك:

بعيداً عن التعريفات العلمية لظاهرة التصحر، يمكن القول بأن التصحر هو عبارة عن (تدهور) للنظام البيئي. هذا التدهور ينتج عنه عدد من الأوضاع التي يمكن وصفها أو اعتبارها بأنها أوضاع صحراوية. وسبب الوصف الصحراوي هو إشارة واضحة بأنه لم تعد لهذه الأراضي أي إمكانيات بيولوجية. الأمر الذي يعني قلة الإنتاج النباتي والحيواني لتلبية احتياجات السكان. في ظل زيادة الطلب على ذلك الاحتياج نتيجة لنمو وازدياد السكان.

ويقسم المختصون درجات التصحر إلى أربع مستويات رئيسية، هي التصحر الخفيف، وفيه يتم تغير نوعي وكمي للغطاء النباتي والتربة. وهناك التصحر المتوسط، ويحدث فيه انجراف وتعرية خفيفة للتربة وانخفاض في الإنتاج النباتي. أما المستوى الثالث فهو التصحر المرتفع، حيث تزيد معدلات الانجراف وانخفاض كبير في الإنتاجية. والمستوى الأخير هو التصحر الشديد، حيث تصبح فيه الأراضي جرداء، مع انعدام قدرتها الإنتاجية وتحولها إلى كثبان رملية أو أراضي مالحة أو صخرية.

ويبلغ مجموع الأراضي الجافة في العالم (6.45) مليار هكتار، أي (43%) من مجموع الأراضي في العالم. وطبقاً لبيانات المناخ تبلغ الأراضي الجافة في العالم (5.55) مليار هكتار أي (37%) من الأراضي في العالم، (6%) منها تسبب في صنعها الإنسان. وتبلغ المساحة المهددة بالتصحر من مجموعي الأراضي الجافة (3.97) مليار هكتار أي (75%) من مجموع الأراضي الجافة في العالم ما عدا الأراضي الصحراوية القاحلة بشدة.

 

الأسباب والمسببات:

يمكن تقسيم الأسباب وراء التصحر إلى عاملين أساسية، هما العامل المناخي والعامل البشري. حيث يندرج تحت العامل المناخي عدد من العوامل الثانوية التي تصنف كمسببات لحدوث التصحر بعد فترات زمنية طويلة إلى حد ما. مثل انحباس المطر، واستمرار العواصف الترابية، بالإضافة إلى الاحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة الجو. وغيرها من الأسباب المناخية.

أما تلك العوامل البشرية، فهي عادة ما تكون ناتجة عن سلوكيات الإنسان تجاه البيئة، والتي بدورها تنعكس عليها سلباً بما يسرع عملية التصحر في البيئة. وأهم المسببات الثانوية لهذا العامل تكمن، في استنزاف التربة من خلال الاستغلال الغير مناسب للأراضي. أو إزالة الغابات بهدف التوسع العمراني، وبالتالي عدم تماسك تربة الأرض أو ما يعرف بالرعي الجائر والغير مقنن. بالإضافة إلى رفع كفاءة الإنتاج للمحاصيل الزراعية وبالتالي استهلاك التربة.

 

 

الآثار المترتبة على التصحر:

يعد تغيير المناخ أحد أهم الآثار الناتجة عن التصحر، حيث يساهم التصحر في عكس الضوء نتيجة لانخفاض الغطاء النباتي، وبالتالي زيادة ثاني أكسيد الكربون بالغلاف الجوي، وزيادة انبعاث الغبار. الأمر الذي يزيد من أخطار الأمراض في ظل سوء التغذية والفراغ المعيشي، وبالتالي زيادة معدلات الوفيات كما يحدث على سبيل المثال في القارة الأفريقية والتي تعد دولها من أكثر الدول مواجهة لمشكلة التصحر. حيث يؤثر تدهور الأرض والتصحر إلى حدوث العجز الغذائي في المناطق المهددة، وكذلك يؤثر على الاحتياطات الغذائية في العالم وتجارة الأغذية بالعموم. وبشكل عام يعيش في المناطق الجافة في العالم أكثر من (15%) من مجموع سكان العالم، حيث بلغ عدد سكان المناطق المهددة بالتصحر (78.5) مليون نسمة. ويبلغ معدل تدهور الأراضي في المناطق القاحلة وشبه القاحلة وحدها (5.25) مليون هكتار سنوياً، وتقدر الخسارة السنوية (26) مليون دولار. ولذلك يتم النظر للتصحر على أنه مشكلة ذات حجم عالمي ذو آثار اقتصادية واجتماعية وبيئية كبيرة. إضافة إلى دورها في التأثير على التنمية، فالبلدان المصابة بالتصحر تعد من البلدان الأقل نمواً في العالم. كونها تؤثر على الجانب الغذائي والتنموي للمدن والدول. الأمر الذي يتطلب دعم كبير لمواجهة ذلك الخطر كنوع من البقاء، وبدون هذا الدعم سيصبح من المستحيل مواكبة متطلبات مكافحة التصحر والأنشطة ذات الصلة باستصلاح الأراضي الجافة.

ويبلغ التمويل اللازم للبرنامج العالمي لوقف الاتجاه إلى التصحر نحو (90) مليار دولار خلال (20) عاماً، حيث تقدر المساعدات المالية التي تحتاجها البلدان النامية من مجموع التمويل (2.4) مليار دولار في السنة أي (48) مليار دولار على مدى السنوات العشرين، وفي عام (1994م) نظمت الأمم المتحدة مؤتمرًا دوليًّا لمكافحة التصحر، وأوصت بإيجاد تعاون دولي لمكافحته، كما أوصت الدول المتعرضة للتصحر والجفاف بإعداد برامج تكون أهدافها التعرف على العوامل المساهمة في عملية التصحر واتخاذ الإجراءات المناسبة لمكافحته والوقاية منه والتخفيف من حدة آثار الجفاف. وينبغي أن تحتوي هذه البرامج على: (1) أساليب لتحسين مستوى قدرات البلاد من حيث علوم الأرصاد والطقس والمياه ومن حيث التنبؤ بجفاف قادم؛ (2) برامج لتقوية استعداد البلاد لمواجهة وإدارة إصابة البلاد بالجفاف؛ (3) تأسيس نظم لتأمين الغذاء بما في ذلك التخزين؛ (4) برامج الري المستدام من أجل المحاصيل والمواشي معًا؛ (5) التدريب والتوعية للمجتمع بمخاطر التصحر؛ (5) الاعتماد على البحث العلمي في مجالات مقاومة التصحر والجفاف. وغيرها من الأهداف الضرورية.

 

التشجير كحل:

لاشك أن هناك العديد من سياسات الحلول الممكنة لمواجهة التصحر، إلا أن أحد أهم هذه السياسات، هو زيادة الغطاء النباتي من خلال التشجير. حيث يساهم التشجير في الحفاظ على تماسك التربة وعدم الانجراف، بالإضافة إلى تقليل انعكاس أشعة الشمس وبالتالي تقليل أكسيد الكربون في الجو وكذلك الحد من العواصف الترابية.

إلا أن التشجير ليس من الحلول السهلة، فعملية التشجير بحد ذاتها يجب أن تراعي العديد من المتطلبات التي تعيشها المدن والدول، هذه المتطلبات عادة ما تكون خاصة ولا يمكن تعميمها على جميع المناطق. ولذلك يجب أن يتم مراعاة هذه المتطلبات ضمن عدد من العوامل. الجميل أنه يوجد وعي في المجتمع العربي اليوم تجاه أهمية التشجير، على الرغم من أن هذا الوعي هو جزء من الثقافة الدينية الإسلامية لدينا، إلا أنه بات اليوم مطلب مهم لدى الكثير من المهتمين بالبيئة. بعض هذه المطالب تحولت على أرض الواقع في شكل مبادرات مجتمعية تساهم في تعزيز البيئة. ومع ذلك يبقى السؤال حول إذا ما كانت هذه المبادرات تعمل وفق ضوابط ومتطلبات التشجير؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في الأعداد القادمة.

 

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الخامس للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي