صناعة العمارة: هموم المعماري المحلي

 

كثيراً ما يواجه المعماري المحلي انتقادات حول المنتج النهائي لعمارته، بعض هذه الانتقادات تعود لأسباب نقدية مثالية تدور حول ما كان بالإمكان تلافيه أو تضمينه، والبعض الآخر لا يخرج عن مجرد الرغبة في الانتقاد. وأياً كانت الأسباب وراء تلك الانتقادات، يظل المعماري المحلي هو الحلقة الأكثر تعرضاً للضغوطات، في ظل كل تلك التحديات والمعوقات التي تدور من حوله، ليس في مسألة التصميم وحسب، بل حتى في تنظيم المهنة، والتكاليف، وثقافة المجتمع، وتوفر اليد العاملة المحترفة والأنظمة وغيرها من المعوقات التي يجب أن يتعامل معها بشكل دائم ومباشر. في هذا العدد حاولنا أن نعيد قراءة موضوع (صناعة العمارة المحلية) ولكن من جانب هموم المعماري المحلي وليس من جانب قدرته على التصميم وإمكانياته المهنية.

 

المعماري وأحلامه الوردية:

يتخرج المعماري المحلي من الجامعة بأحلام تتجاوز عنان السماء، وبالأخص أولئك الذين ظل الحلم يراودهم خلال سنوات الدراسة بين قصص عمالقة العمارة وبين تلك الساعات الطويلة وهم عاكفون على مشاريعهم. هذه الأحلام غالباً ما تأتي في قالب كبير يتشاركه الغالبية، ولكنه يختلف في التفاصيل بين هذا وذاك. فالكل يحاول بشكل أو بآخر أن يصبح أحد أهم المعماريين المؤثرين في عمارتهم وبيئتهم ومجتمعهم، ولما لا؟! فالأحلام ممكنة ومتاحة للجميع.

وعلى الرغم من النجاح أثناء الدراسة، إلا أن الواقع عادة ما يكون مختلفاً بشكل كبير. لا نقصد إيجاد الوظيفة ومتطلبات الحياة والمستقبل، فهذه تحديات شائعة ومعروفة لجميع المجالات وليس العمارة فقط، ولكن نقصد نوع آخر من التحديات والمعوقات التي تواجه المعماري المحلي تحديداً لتحقيق ذلك الحلم.

 

في المواجهة: بين كارلوس وثامر

قد يكون من المنصف أن نقارن المعماري المحلي لدينا بأي معماري محلي في أي مكان في العالم، فمن المنصف أن نرى الصورة العامة لهذه المقارنة بشكل يساعدنا على رؤية الجوانب كلها وليس الجانب المتعلق بالجد والاجتهاد. دعنا نضرب مثالاً للتوضيح:

(كارلوس) على سبيل المثال معماري مكسيكي تخرج منذ ما يقارب (12) سنة وعمل في أكثر من جهة واكتسب خبرة وطور من مهارته وقرر في نهاية الأمر أن يستقل بمكتبه الخاص. استطاع (كارلوس) أن يتجاوز السنوات الأولى من متطلبات العمل المستقل، وبدأ بنجاح في تكوين اسم بسيط كمعماري متمكن في تلك المشاريع الصغيرة والمتوسطة. (كارلوس) لا يزال يعمل وفق خطته التي يتمكن من خلال كل عمل يقوم به أن يضيف أكثر إلى سجله المهني، ففي كل عمل له تظهر مدى مهاراته في تصميم عمل معماري مميز. يساعده في ذلك عوامل أخرى مهمة كجودة التنفيذ والبناء لأعماله، وحداثة المواد المستخدمة، والأهم من ذلك هو تقبل العملاء وإيمانهم بأفكاره، والتي ما أن تحولت إلى واقع، حتى أصبحت مثار إعجاب الأوساط المعمارية وجذبت العديد من الأنظار.

في المقابل هناك (ثامر)، معماري سعودي تخرج في نفس الوقت الذي تخرج به (كارلوس)، وسلك نفس المسار تقريباً حتى أسس مكتبه الخاص كعمل مستقل، إلا أن (ثامر) أصبح يواجه عدد من التحديات والمعوقات التي لم يواجها (كارلوس) أو حتى ليس بنفس الدرجة على الأقل، تحديات لا تتعلق بجودة التصميم والقدرة على إيجاد عمل معماري مميز. ولكنها تتعلق بتلك العوامل الأخرى المهمة كتدني جودة التنفيذ، بسبب اختيار العميل لمقاول لم يكن على الكفاءة المطلوبة في تنفيذ التصميم رغم وضوحه على المخططات. أو على سبيل المثال إصرار العميل على استبدال مواد التشطيب أثناء التنفيذ لنقص الموارد المالية، الأمر الذي ساهم في عدم ظهور التصميم بالشكل الذي كان محدد سلفاً، فلم تعد الأعمدة الرخامية موجودة وتم استبدالها بطلاء من نوع (إستيكو).

بل أن المشكلة الكبرى، هي أن المعماري (ثامر) لم يكن يعلم عن هذه التغيرات، لأن العميل قرر تخفيض التكاليف بالاستغناء عنه كمشرف والاستعانة بشخص آخر له خبرة في التنفيذ وبتكلفة أقل حسب توصية أحد معارفه. مع الوقت اكتشف (ثامر) أن هذه الأعمال لا تضيف له الكثير في مسيرته المهنية حسب خطته، وأصبح يعاملها بشكل انتقائي، يعرض بعضها ويتحرج من بعضها الآخر، وفي الغالب يكتفي بعرض صور مرحلة التصميم للتعبير عن إمكانياته وقدراته.

هذا المثال ليس واقعي، ولكنه يجاري الواقع في جوانب كثيرة. إلا أن المشكلة الأكبر هي تلك الأعذار والحجج حول هذا النوع من الممارسة المعمارية المحلية لدينا، بعض هذه الحجج تأتي على لسان العميل، أو المقاول الغير كفء، بل أنها في بعض الأحيان تأتي على لسان المعماري نفسه. لكن ماذا لو حاولنا مراجعة أبرز هذه الأعذار كمحاولة للوقوف على لب المشكلة؟

 

 

الحجة الأولى: ليس كل ما يرسم يمكن تنفيذه:

ارتبطت هذه الحجة بعدة أسباب تتعلق بالتنفيذ والتكلفة، كمحاولة لوضع إطار عقلاني لخيال المصمم من أن يذهب بعيداً. بل أن الكثير من المفاهيم التصميمية اليوم تفرعت من هذا المنطلق. خصوصاً تلك التي تتعلق بالإنتاج الصناعي. ومع ذلك، ظل العالم يحاول الخروج من هذا الإطار حتى يومنا هذا. فاليوم، ليس هناك ما يمكن وصفه بالمستحيل في العمارة، ولعل الكثير من الأمثلة والنماذج التي تمثلت أيقونات معمارية، تعد شاهداً على أن هذه الحجة غير واقعية.

لكن السؤال هو: هل يمكن تطبيق ذلك حتى في أبسط المهام التصميمية، كتصميم منزل أو مبنى سكني أو إداري؟ قد يكون من الصعب القول بذلك، فمواضيع التكلفة والصيانة وغيرها من الجوانب الأخرى يمكن أن تكون عائق في إطلاق العنان لمخيلة المعماري في التصميم. إلا أنها في نفس الوقت لا تمنع من (الاتفاق) على أن ما تم تصميمه سيتم تنفيذه. وهناك فرق!

فالعقد هو شريعة المتعاقدين كما هو معروف، والمخططات والتصميم هي جزء من وثائق ذلك العقد بين المعماري والعميل. إلا أن مجال العقد لدينا عادة ما ينتهي بتسليم العميل وثائق المشروع. هذا يقودنا إلى سؤال أكثر عمقاً: هل المنتج المعماري يكمن في (الفكرة على الورق) أم يكمن في (المنتج على أرض الواقع بعد التنفيذ)؟ دعنا نوضح هذه الإشكالية قبل أن ننتقل لنقطة أخرى، عندما تشتري كتاب لغرض دراسي أو حتى ترفيهي، فهذا يعني أنك تملك الكتاب. ومع ذلك فأنت لا تستطيع أن تلغي حقوق المؤلف على الرغم من أنك قد دفعت له مبلغ تلك السطور. بل أنك لن تستطيع استخدام ذلك الكتاب بشكل آخر مختلف أو إعادة استخدامه بدون موافقة ذلك المؤلف، وقد يعرضك ذلك للمسائلة القانونية في بعض الأحيان.

نعود للمعماري الآن، فمن يملك حقوق التصميم؟ هل هو المعماري أم العميل؟ بمعنى آخر: هل يحق للعميل أن يغير التصميم؟ هل يحق للمعماري أن يشترط عدم التعديل على التصميم؟ هل يمكن تحديد أو منع تدخل مكتب آخر؟ هل يمكن اشتراط الإشراف الكامل على المشروع ضمن التصميم؟

كل هذه أسئلة يجب تناولها وطرحها بشكل أنظمة عامة تنظم العلاقة بين الطرفين. فما يحدث على أرض الواقع هو أن المعماري المحلي يواجه هذا التحدي منفرداً، وفي ظل عدد من الثقافات الخاطئة والغير صحيحة، خصوصاً تلك التي تتعلق بمسائل الحقوق الفكرية أو حتى ثقافة التعاقد.

ولهذا السبب يلجأ المعماري المحلي إلى وسائل أخرى تتعلق بالإقناع وتقليل مساحة التغيير أو التعديل سواء من خلال التكاليف أو التبسيط في العمل وما إلى ذلك. هذه الحلول تأتي بنتائج متفاوتة بحسب العميل. مع العلم أنه يجب تلافي هذا التفاوت من خلال العمل على تنظيم علاقة ومجال العقد بين المعماري والعميل والعمل على حماية الحقوق الفكرية.

 

الحجة الثانية: من سيدفع الفاتورة:

تعد التكاليف هي السبب الأول لتغيير معظم القرارات، فعندما يعجبك شيئاً ما، فإن معيار التكلفة يكون هو المعيار الأساسي لاقتنائه أو لا. ولا يختلف الأمر في العمارة، فالجميع يبحث عن الكمال والإتقان، إلا أن القليل من يدفعون مقابل ذلك. هذا المعيار يضع المعماري في أي مكان ضمن إطار تحدي بين تقديم أفكار مختلفة وبين البقاء ضمن التكلفة.

يختلف الأمر بالنسبة للمعماري المحلي، والذي يواجه في نفس الوقت تحدي آخر يتعلق بالتكلفة، هذا التحدي يكمن في الموازنة بين تقديم أفكار مختلفة وبين التفكير التقشفي للعميل أثناء وطوال فترة تنفيذ المشروع!

هذا النوع من التفكير التقشفي لا يمكن معه الثبات على قرار تصميمي واحد، صحيح أن المعماري يتحمل بعض هذه المسؤولية، فدراسة المواد والتكاليف ضمن أعمال التصميم هي أمر ضروري وواجب، إلا أنه لا يوجد معماري قادر على قراءة هذا التقشف طوال فترة التنفيذ!

عادة ما يتم حل هذه المشكلة من خلال عدد من التنظيمات، كالنسبة المتاحة للتغيير ضمن العقد، أو من خلال مشاكل التنفيذ أثناء التنفيذ أو حتى من خلال الإشراف المباشر على المشاريع من قبل المعماري نفسه.

 

الحجة الثالثة: كابوس التنفيذ:

يتفق الغالبية على أن هناك نسبة من التفاوت بين التصميم والتنفيذ، ليست نسب كبرى ولكنها موجودة ومتفاوتة بين مشروع وآخر. فعملية التصميم تتطلب مراعاة للواقع أكثر من الجودة على الورق، بعض هذا التفاوت يأتي من قبل (المقاول) والذي يستطيع بحكم خبرته اقتراح التعديلات أو تحديد أماكن أخطاء التصميم. ولذلك عادة ما تكون العلاقة بين المعماري والمقاول علاقة متوترة في الغالب، ليس على مستوى محلي وحسب بل على مستوى عالمي إن صح لنا القول.

الأمر المهم هنا، هو يجب أن يكون المعماري والمقاول على مستوى متقارب من الكفاءة، بمعنى أنه يشترط تجاوز المعماري لعدد من الاختبارات أو الإجراءات لضمان قدرته على ممارسة العمل المعماري، فمن الأجدى أيضاً أن يتم القيام بنفس الإجراءات للتأكد من أهلية المقاول لممارسة المقاولات. وهذه إحدى أكبر مخاوف وعوامل الإحباط للمعماري المحلي، فمجال المقاولات كان ولازال مجال مفتوح كنوع من الاستثمار التجاري، بغض النظر عن المتطلبات اللازمة من المعرفة، الخبرة والإمكانية. ولذلك تتركز أغلب المشاكل لدينا في التنفيذ.

وعلى الرغم من أن المجتمع بات واعياً إلى حد ما لهذا العامل المؤثر، إلا أن طريقة التعامل لتصحيح ذلك لم تخرج عن كونها طريقة توعوية. بمعنى أن معظم المحاولات كانت ولا تزال فردية من خلال نشر النصائح والتحذيرات للعامة من الناس لتوعيتهم بالفرق بين المقاول وبين المقاول الغير كفء، مع أن الإجراء الأمني هو عدم السماح لذلك المقاول الغير كفء من ممارسة العمل في الأساس.

 

الحجة الرابعة: الجودة وأنظمة البناء:

قد يحتج البعض على تقنين المقاولين وفق تصنيف الكفاءة والإمكانية، بحجة أن الأهم هو توفر أنظمة بناء واضحة يمكن أن تكون دليل لتنفيذ الأعمال بدون أخطاء. وعلى الرغم من صحة الحديث حول أهمية أنظمة البناء، إلا أنه يجب التفريق بين التنفيذ وفق أنظمة البناء وبين التنفيذ وفق أنظمة البناء بجودة! فالجودة معيار يختلف عن تطبيق التعليمات لإنهاء العمل، هذا بالإضافة إلى أن الأنظمة قد تكون خاطئة أو قديمة.

من التحديات التي يواجهها المعماري المحلي هي التوفيق بين رغبات العميل والالتزام بأنظمة البناء، مع العلم أن بعض رغبات العملاء تتجاوز أنظمة البناء، ولا يمكن التوفيق بينهما! ولكنه أمر يجب أن يتعامل معه المعماري من وجهة نظر العميل، وهو في نفس الوقت عقوبة يلام عليها المعماري من وجهة نظر الجهات المعنية بأنظمة البناء. ففي كلا الحالتين يظل المعماري الحلقة الأضعف، بالرغم من أن مهمته تقتصر على تصميم المبنى وليس الوصول لنقطة وسطية بين العميل وأنظمة البناء!

لعل هذا السبب وراء ظهور الكثير من العمارة المحلية بصورة غير مكتملة، فهناك دائماً أمر يدور خلف الكواليس، ولا يمكن الإفصاح عنه، يقودنا ذلك إلى سؤال أكبر يمثل خاتمة لموضوعنا هذا: هل نحاول فعلاً صناعة عمارة هنا؟ أم أننا نقوم بممارسة البناء؟ بالمناسبة الفرق كبير جداً بين هذا وذاك. متى ما استطعنا أن نجيب بكل وضوح على هذا السؤال، سنستطيع وقتها أن نضع المعماري المحلي على منصة النقد حول أعماله وأفكاره. وأن نقارنه بأمثاله من المعماريين حول العالم. والأهم من ذلك هو أننا سنخطو خطوة للأمام نحو صناعة عمارة محلية.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الخامس للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي