بوينس آيرس: مائة عام من العزلة

 

تعود قصة هذه التجربة إلى عام (1889م)، عندما أنشأ ميناء (برتو ماديرو) كميناء لمدينة بوينس آيرس الأرجنتينية. كان الميناء حينها رمز للأفكار السياسية التي اجتاحت البلاد في تلك الفترة، خصوصاً أن موقعه كان أمام المركز الإداري الاتحادي الأرجنتيني والذي يعرف بـ(بلازا دي مايو) وأيضاً أمام مقر الرئيس (كازا روزادا). إلا أنه وبسبب الخطأ الهندسي في تصميم عرض الأرصفة البحرية، حيث كان أقل من العرض الممكن لتشغيل الميناء وفق معايير الهندسة البحرية، جاء القرار بأن الميناء غير صالح للسفن بعد سنوات من التنفيذ، الأمر الذي تحول مع مرور الزمن إلى هدر حضاري ضمن نطاق المدينة امتد إلى ما يقارب المائة عام، فماذا حدث؟

 

في عام (1985م) بدأت عملية دراسة جدوى لمنطقة (برتو ماديرو) بعد أن أصبح من المهم جداً التعامل مع هذه المنطقة الحضرية وإعادة استثمارها. لم تكن هذه المرة الأولى لطرح الاستفادة من هذه المنطقة، فلقد تمت عدد من المبادرات نحو توظيف منطقة الميناء، أهمها كان محاولة لتحويل رصيف الميناء إلى شاطئ شعبي في عام (1950م)، وعلى الرغم من أن هذا الحل كان مناسباً في بداية الأمر إلا أنه سرعان ما تم التوقف عن زيارة هذا الشاطئ بعد تلوث المياه على حرف الرصيف، وهو ما أعاد المنطقة إلى دائرة المناطق الغير مستغلة.

كانت الدراسة الثانية في عام (1986م) والتي قامت بها جامعة بوينس آيرس (أوبا)، حيث توصلت الدراسة إلى تقديم حل مقترح لإعادة الاستخدام في المنطقة، وضمن مفهوم اقتصادي يعتمد على خطة تأجير بعيدة المدى. الدراسة تناولت جميع المعلومات الممكنة في المنطقة وتصنيفها وفق استخداماتها، بالإضافة إلى اقتراح خطة ربط مرورية مع أجزاء المدينة الأخرى من خلال الخط الدائري السريع أو ما يعرف محلياً بطريق (25 دي مايو).

تجاوز نطاق مشروع تجديد مشروع (برتو ماديرو) تحويل منطقة الميناء الصناعية سابقاً فقط، حيث كان هدف القادة السياسيين ومخططي المدينة هو تنشيط المنطقة الجنوبية لبوينس آيرس، والتي تضم المنطقة الإدارية الوطنية (كاسا روزادا)، وبعض الأحياء القديمة في المدينة وليس الميناء فقط.

 

التخطيط:

تم وضع الخطة الرئيسية على مراحل، وبناء على المبادرات السابقة للمنطقة. بدأت عملية التخطيط وإعادة التطوير الشامل في أعقاب الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي أنهت إدارة الرئيس (راؤول ألفونسين) في عام (1989م) وخصخصة الخدمات العامة وممتلكات الدولة التي كانت أساسية لمشروع إعادة التطوير. وفي نفس العام، أتاح قانونان مثيران للجدل - هما قانون الطوارئ الإداري وقانون الطوارئ الاقتصادي - اللوائح التمكينية لإتاحة التنفيذ السريع لمشروع (بورتو ماديرو). بالإضافة إلى ذلك، تم تأسيس شركة (أنتيغو برتو ماديرو سوسيداد أنونيما)وهي الشركة شبه الخاصة التي أسست لتنفيذ المشروع.

سمح قانون الطوارئ الاقتصادي بخصخصة الملكيات الفيدرالية (الحكومية)، مما مكن من نقل ملكية الأراضي الوطنية إلى نظام الهيئة العامة للملكية الفكرية (كابمسا)، وقد استخدمت الهيئة ملكية الأرض التي يصورها المخطط الرئيسي كأداة للتفاوض مع المطورين. حيث كان ينظر إلى المخطط التطويري على أنه أكثر من إطار تنظيمي عمراني للمنطقة، بل أيضاً مورد استثماري طويل الأجل.

تم الانتهاء من الخطة الاستراتيجية لبورتو ماديرو في عام (1990م). والتي كانت تهدف لتحديد منطقة سكنية عالية الكثافة في القسم الشرقي أمام (كوستانيرا سور) من خلال مباني ذات ارتفاع عالي. بالإضافة إلى المباني التجارية والإدارية والفنادق والمصانع النظيفة. حيث بلغت المساحة الكلية ما يقارب (3) مليون متر مربع بمتوسط كثافة يصل إلى (500) نسمة لكل هكتار.

تلى ذلك تكليف بلدية (بوينس آيرس) لجمعية المهندسين المعماريين لتنظيم مسابقة لإعداد المخططات التفصيلية المقترحة للمنطقة ضمن إطار مستدام ويعزز تفعيل المنطقة عمرانياً. وقد تم تشكيل هيئة استشارية تتألف من أعضاء المؤسسة وممثلي البلدية واللجنة الفرعية لاعتماد كتابة متطلبات وبرنامج المنافسة، والتي تضمنت محاور أساسية مثل، إعادة تطوير المنطقة المهجورة، ووضع حد أقصى لإشغال الأراضي. كما شددت على تطوير المساحات الخضراء والوصول المباشر إلى النهر. وأن تكون المنطقة مختلطة الاستخدام، بما في ذلك السكنية والتجارية والمكاتب. وبالإضافة إلى الحفاظ على المستودعات بسبب قيمتها التراثية والتي ترمز لحقبة مهمة من تاريخ الأرجنتين.

تقدم للمشروع أكثر من (100) مكتب محلي، تم اختيار ثلاثة منهم كمتأهلين للتصفيات النهائية ووضع التفاصيل النهائية للمخطط العام. حيث تمكن من تطوير حل مشترك. وقدم المخطط النهائي للمنطقة في عام (1992م)، ولم يكن من المستغرب أن تمكنت الهيئة من زيادة مجموع المساحة المبنية إلى (3) ملايين متر مربع، وهي أقرب بكثير من مجموع الكثافة المقدرة مبدئياً التي اقترحتها الخطة الاستراتيجية. مع العلم أنه لم تشارك المجتمعات المحلية المحيطة في عملية التخطيط من خلال أي مشاورات، لأنه في ذلك الوقت كانت المنطقة غير مأهولة بالسكان. واعتمد التطوير على المشاورات مع الجمعية المهنية للمهندسين المعماريين. وفي عام (1994م) أقر المخطط التفصيلي رسمياً للمرحلة القادمة.

 

التنفيذ:

تم التنفيذ على ثلاث مراحل رئيسية، تداخلت فيها العديد من القرارات والتعديلات قبل أن يتم الانتهاء من العمل بالشكل المطلوب، هذه المراحل يمكن استعراضها على النحو التالي:

 

المرحلة الأولى: (1989-1993م). وشمل ذلك إعداد الأراضي (تنظيم ملكية الأراضي، والدراسات الميدانية، والدعوة إلى تقديم مقترحات بشأن الخطة الرئيسية)، وبيع مستودعات الموانئ على الجانب الغربي من الميناء. خلال المرحلة الأولى، هدف المشروع لتحويل مستودعات الميناء إلى مبان مختلطة الاستخدام. وبسبب عدم وجود موارد للاستثمار في البنية التحتية العامة، أبدت الهيئة التزامها بتنفيذ المشروع من خلال بيع المستودعات لعملية التحويل في الاستخدام. وتم توضيح شروط التنفيذ والإنجاز والبيع في عملية تقديم العطاءات والتي تضمنت عقوبات تأخير كبيرة كنوع من تحفيز المستثمرين على الالتزام بواجبات ومدة التنفيذ.

 

المرحلة الثانية: (1993-1997م)، وبدأت المرحلة الثانية ببيع شريط من الأراضي مقابل الميناء. وقد بدأ تسويق الأراضي التي تم تطويرها من المرحلة الأولى على الجانب الشرقي. ومع ذلك بدأت المرحلة الثانية ببيع أراضي مساحتها (20) هكتار تقع في جهة الشرق من الميناء لأحد المطورين العقاريين بسعر (9) مليون دولار أمريكي. حيث خصصت لاستخدامها كمركز للمعارض والمؤتمرات، وفندق، واستخدامات خدمية أخرى.

 

المرحلة الثالثة: (1997-2012م) تم تعديل قانون التخطيط العمراني في عام (1997م) للسماح بتقسيم المناطق الشرقية الجديدة. وفي عام (1998م) أعلن عن استثمار قدره (40) مليون دولار في البنية التحتية. و(40) مليون دولار أخرى كاستثمار في البنية التحتية في الجانب الشرقي لتأمين المياه الصالحة للشرب، وأنابيب الصرف الصحي وأنابيب مياه الأمطار، والكهرباء، والهاتف، وتلفزيون الكابل، ونقل البيانات. وشملت أيضاً بناء (15)كيلومتر من الطرق الجديدة وإنارة الشوارع. وبحلول عام (2011م)، قدرت الهيئة أنها أنفقت (113) مليون دولار أمريكي على الأشغال العامة.

وعلى الرغم من أزمة (تجميد البنوك) في أواخر عام (2001م) وما تلى ذلك من ركود. وما أنعكس ذلك على المشروع في فترة من الفترات لهذه المرحلة، إلا أنه تم الانتهاء من بيع غالبية الأراضي ونقل ملكية وصيانة الطرق العامة والحدائق العامة إلى المدينة. وقد تم الانتهاء من النقل بنهاية عام (2012م). وخلال المرحلة الثالثة، تم دمج منطقة (بورتو ماديرو) رسمياً في المدينة.

 

 

التمويل:

لم يعتمد تنفيذ وتجديد مشروع (بورتو ماديرو) على الإعانات المباشرة لتشجيع مشاركة القطاع الخاص. في بداية المشروع، لم يكن هناك اهتمام من المستثمرين الدوليين نظراً للمخاطر العديدة من المشروع. كما لم تساهم البلدية بأي موارد مالية. ولذلك، كان المشروع ممولاً ذاتياً من خلال عائدات مبيعات الأراضي من قبل الشركة شبه خاصة، والتي اكتسبت ملكية أراضي الميناء من خلال مرسوم حكومي كما أشرنا سابقاً.

لم تصدر الهيئة أيضاً، أي ديون أو تستخدم إعانات الإسكان العام أو حوافز ضريبية لجذب استثمارات القطاع الخاص. وبصرف النظر عن إيجارات المستأجرين في المراحل الأولى من المشروع، كانت الموارد المالية الأخرى تتألف من بيع مواد الهدم، واستئجار مواقف السيارات، وتأجير المساحات لاستخدامها كمجموعات لأغراض الفعاليات.

وفي الفترة ما بين (1991م) و(1993م)، تلقت الهيئة (54) مليون دولار أمريكي لبيع المستودعات على ممتلكاتها، بالإضافة إلى الدفعة الأولى على الجانب الشرقي من موقع المشروع. وستأتي ذروة المبيعات في المرحلة الثالثة والأخيرة من المشروع، حيث سجلت الشركة مبيعات لأكثر من (173) مليون دولار أمريكي في السنة الأولى من المرحلة الثالثة، أي ما يعادل أكثر من (50%) من إجمالي المبيعات. ووفقاً للخطة الرئيسية، كان هناك (60) هكتاراً من الأراضي المتاحة للبيع. وخلال فترة المشروع حققت الشركة إجمالي عائد استثمار وصل إلى (300) مليون دولار أمريكي.

 

النتائج والدروس:

تتوافق الآراء العامة والمتخصصة في مجال التنمية على أن مشروع (بويرتو ماديرو) كان ناجحاً بكل المقاييس، صحيح أن هناك بعض المسؤولين الإداريين الذين كانوا يأملون برفع العوائد المالية من خلال رفع أسعار المبيعات للأراضي في ذلك الوقت. إلا أن الهدف لم يكن استثمارياً بحتاً. لقد حلمت المدينة خلال المائة عام الماضية أن تعيد استخدام ذلك الميناء الكبير والمهجور كجزء منها. لم يكن الأمر متعلق بالمال بقدر ما كان متعلق بتطوير المكان. ومع ذلك يمكن القول بأنه وبحلول (2010م) تم بناء مجموعة (2.25) مليون متر مربع من المساحة في المشروع. وبلغت قيمة الاستثمار العام والخاص حتى عام (2009) ما قيمته (1.7) مليار دولار أمريكي، وبنحو (2.5) مليار دولار أمريكي عند اكتمال المشروع، وهو ما ساهم في مضاعفة قيمة المتر المربع للاستخدام السكاني بين عامي (2005 – 2013م) من (2647) دولاراً أمريكياً إلى (4948) وهو ما يعد ربح عالي جداً، بالإضافة إلى أنه تم توظيف الفائض في تطوير المنطقة.

 

 


للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الخامس للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي