تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

النقل الذاتي: التغيير يلوح في الأفق

 

يتداول العالم اليوم مسألة النقل الذاتي كحل بديل ومستقبلي لعملية النقل، ليس على مستوى الأفراد وحسب بل حتى على مستوى البضائع والصناعة وغيرها. ولذلك بدأت العديد من الدول والشركات في طرق هذا الباب الواسع والمؤثر في مستقبل البشرية. خصوصاً أن هذا التوجه يصب في مصلحة التقدم نحو استعادة البيئة مرة أخرى وتقليل الأضرار المترتبة جراء استخدام الماكينة الصناعية بسلبياتها البيئية. إلا أن الجانب الذي يشدنا في هذا الاتجاه هو مستقبل النقل ضمن مفهوم المدينة. فهل ستتأثر المدن بهذا التحول؟ وهل سيكون هناك متطلبات عمرانية لمواكبة هذا التغيير؟ أسئلة نحاول طرحها لفتح باب هذا التوجه الجديد من زاوية عمرانية.

 

التاريخ يعيد نفسه:

لا ينكر أحد الدور الذي لعبه النقل الخاص (السيارة) في تغيير الحيز الفراغي للمدن، فالمدينة الحديثة استجابت بشكل كبير لهذه النقلة النوعية. فمع ظهور السيارات الشخصية ظهرت إمكانية التوسع العمراني للمدن، وأصبحت الضواحي على أطراف المدينة الخارجية ملاذ للكثير من السكان الذين فضلوا الحياة خارج الصخب في المدينة الصناعية آنذاك (للمزيد حول هذا الموضوع يمكن الرجوع لإصدار: نبذة مختصرة عن المدينة). ومع الوقت أصبح نمو المدن أمراً طبيعياً ومشاهد في مدن العالم، الأمر الذي جعل عدد من العناصر الأخرى تستجيب لهذا النمو، فالنقل العام امتد نحو هذه الأطراف لخدمة السكان، وأصبحت المناطق المركزية فرص استثمارية لإعادة التطوير، واستقطبت المدن المزيد من السكان. وبعد أكثر من عقد على هذا التحول، نواجه اليوم مرة أخرى منعطف جديد قد يغير من تكوين المدن كما فعل في السابق، هذا المنعطف قائم على مفهوم النقل الذاتي.

 

مفهوم النقل الذاتي:

تعتمد فكرة النقل الذاتي على استخدام التقنية كبديل لقيادة وسائل النقل، فلم يعد السائق البشري ذا أهمية تذكر على ما يبدو! حيث يمكن تأدية هذه المهمة بشكل تام وعلى قدر كبير من الكفاءة دون الحاجة إليه. الكثير من المشكلات التي نواجهها اليوم، مثل الحوادث المرورية تبدوا غير ممكنة في هذا المفهوم الجديد للنقل أو على الأقل قليلة مقارنة بالسائق البشري. لن يكون هناك سرعات خارجة عن الإطار المسموح، فالأولوية دائماً ستكون لسلامة الركاب والآخرين. وستكون الوجهات محددة بزمن وصول معين، يمكن لنا أن نضبط ساعتنا وفقها. لن نحتاج للكثير من المواقف ولن يكون هناك سائق خارج عن السيطرة. ستستجيب الشوارع والمباني لهذه الحركة المدروسة، وسيبقى الخيار لك في تحديد الوجهة التي تريد الوصول إليها فقط. لن تحتاج أن تذهب لأكثر من مكان، فيمكنك إرسال أطفالك للمدرسة، بينما تذهب أنت للعمل أو تبقى في المنزل لإنهاء أعمالك الأخرى.

بهذه الصور وغيرها يتم الترويج اليوم لمفهوم النقل الذاتي. وعلى الرغم من أن هذه الصور ترتبط بشكل كبير جداً بحياة الناس المباشرة وكيفية قضاء أوقاتهم خلال اليوم. إلا أنها لا تقتصر على تسهيل حياة الناس وحسب، فهناك أهداف بيئية واقتصادية تستند على هذا التحول في أسلوب النقل. هذه الأهداف تقوم على تحقيق معايير مهمة وصعبة من حيث القدرة على تحقيقها ضمن المستوى البشري بالمقارنة مع النتائج العالية باستخدام الذكاء الاصطناعي أو الروبوتات. ويمكن استعراض بعض الأهداف العامة لمفهوم النقل الذاتي على النحو التالي:

 

أولاً: التحكم والسيطرة:

من يعمل في مجال النقل يعرف تماماً ما الذي يعنيه هذا المصطلح على أرض الواقع، فالكثير من الزحام المروري الذي يخنق شوارع المدن اليوم، يعود بشكل أو بآخر إلى مستوى التحكم والسيطرة المرورية للنقل. لكن هل يصعب تنفيذ هذا التحكم عند قيادة السائق البشري؟

الكثير من الإحصائيات تشير إلى أن السبب الرئيسي وراء الحوادث المروية والزحام هي السلوكيات البشرية أثناء القيادة. ولذلك تفرض العديد من الدول غرامات مالية كبرى فيما يتعلق بأنظمة القيادة والمرور المحلية. هذه السلوكيات تكاد تكون معدومة في النقل الذاتي، فالسائق الذكي أو الصناعي مبرمج لتنفيذ خطوات محددة وفي ظروف معدة سابقاً. الأمر الذي يصعب معه وجود سلوكيات خارجه عن المألوف وبالتالي التقليل من هذه الآثار على أرض الواقع. على سبيل المثال المسارات المحددة مسبقاً، فمن المعروف أن هذا الحل جاء لتخفيف الزحام المروري من خلال فصل العربات بحسب أحجامها وأغراضها للنقل، هذا الفصل يعتمد على قوانين وغرامات صارمة لضمان عدم التقاطع، ومع ذلك فالسائق البشري لديه نسبة احتمال كبرى في تجاوز مثل هذه القوانين، خصوصاً عند غياب المراقبة. هذا السلوك لا ينطبق على السائق الذاتي أو الذكي.

 

ثانياً: التوسع في النقل:

لا يقتصر النقل على نقل الأفراد وحسب، بل منظومة النقل تمتد لتشمل الكثير من الأنشطة والأغراض التي ترتبط بحياتنا اليومية، فالبضائع على سبيل المثال تأتي على قائمة المستخدمين للنقل. فهل فكرت يوماً كيف وصلت تلك المعلبات أو عبوات اللبن الطازج على رفوف المتجر المجاور لمنزلك؟ هل تعرف في أي ساعة من اليوم كان ذلك؟ ربما البعض قد يعرف، ولكن الغالبية لا تأخذ هذا الموضوع في الحسبان.

الحقيقة أن الأمر لا يقف عند تلك المعلبات أو عبوة اللبن، بل يمتد ليشمل العديد من البضائع والأشياء الأخرى التي نستهلكها في حياتنا اليومية. يعد النقل الذاتي خيار مثالي لمثل هذا النوع من النقل، كالنقل التجاري أو الصناعي، سواء من حيث رفع مستوى السلامة أو من حيث تقليل حجم المخاطرة وبالتالي الخسائر، ولعل ما يعرف اليوم بعربات النقل الثقيلة على أسلوب (HGV platooning) يعد من أكثر الأساليب موائمة للنقل الذاتي ولتحقيق مكاسب اقتصادية وبيئية على نطاق النقل التجاري والصناعي. أما على مستوى النقل العام، فلقد استطاعت دول مثل الصين وألمانيا على سبيل المثال ابتكار حافلات ذاتية لا تتطلب سائقين، وهو ما ساعد في تنظيم عمليات الرحلات والوصول بين المناطق وضمن مسارات محددة تتيح للمستخدمين الانتقال من منطقة لأخرى.

 

ثالثاً: السلامة:

لعل مسألة السلامة تعد القضية الأساسية في النقل الذاتي كما أشرنا سابقاً، وعلى الرغم من تخوف البعض من سلبيات النقل الذاتي وعدم إمكانية التحكم في تلك الحالات الحرجة، إلا أن هناك العديد من التجارب والتقنيات التي يتم توظيفها لتقليل هذه المخاوف، كأنظمة الاستشعار والمسارات وإمكانية التدخل عن بعد. وتسعى الشركات المطورة للنقل الذاتي نحو خلق لغة تواصل جديدة بين المركبات المختلفة من خلال أنظمة استشعارية وبالتالي قدرتها على اتخاذ الإجراءات اللازمة، تماماً كما هو العمل على أجهزة الحاسب والهواتف الذكية.

 

رابعاً: النقل الذاتي والمدينة:

تدور معظم المخاوف والشكوك حول مدى قابلية واستعداد المدن لهذا التحول الجديد، فالشوارع والطرقات التي نستخدمها تم تصميمها لتوافق النظام التقليدي المعروف في النقل، خصوصاً أن مجال النقل الذاتي بدأ بالخروج عن محدودية وسائل النقل مثل القطارات أو الترام، إلى وسائل أكثر قرباً من الناس كالحافلات والسيارات. فليس هناك مسارات أو سكك محددة، بل أن الشارع هو المسار الذي يجب التعامل معه.

لعل هذا ما يعيد طرح مفهوم تصميم الشارع مرة أخرى، بشكل يسهل من حركة هذه الوسائل وفق نظامها الجديد، فهل ستكون المسارات مخصصة ضمن حارات الشارع؟ وكيف سيمكن التعامل مع عمليات الوقوف والتقاطعات؟ والسؤال الأهم كيف ستستجيب هذه الوسائل لعناصر المدن الأخرى، كنقاط التوصيل واتجاهات الحركة.

من الممكن القول بأن تطبيق النقل الذاتي سيكون سهلاً بالنسبة للمدن الحديثة، فمدينة مصدر على سبيل المثال توظف نظام النقل الذاتي (بي آر تي) منذ عام (2010م) وبكفاءة عالية كأحد أشكال النقل المستدام، لكن هل يمكن لهذا النظام العمل ضمن المدن الحالية بوضعها الراهن؟ للإجابة على هذا التساؤل، اخترنا حالة دراسية يمكن من خلالها التوسع أكثر في إمكانية تطبيق هذا التوجه ضمن المدن القائمة، وهي إمارة دبي والتي كانت من أوائل الدول العربية نحو التحول لنظام النقل الذاتي.

 

 

حالة دراسية:

استراتيجية دبي للتنقل الذاتي

أطلقت حكومة دبي في عام (2016م) استراتيجية التنقل الذكي ذاتي القيادة، والتي تهدف إلى تحويل (25%) من إجمالي رحلات التنقل في دبي إلى رحلات ذاتية القيادة من خلال وسائل المواصلات المختلفة بحلول عام (2030م)، حيث تسعى من خلال ذلك إلى أن تصل الوفورات والعوائد الاقتصادية السنوية لهذه الاستراتيجية (22) مليار درهم. تأتي هذه الاستراتيجية ضمن سياسات التحول التي تنتهجها حكومة دبي نحو التنمية المستدامة، وتعزيز الجوانب الاقتصادية والبيئية وتحسين مستوى جودة الحياة بالإمارة. وتسعى هذه الاستراتيجية لتقليل تكاليف التنقل بنسبة (44%) أو ما يعادل (900) مليون درهم. بينما ستنخفض نسبة التلوث البيئي بنسبة (12%) والذي سيوفر ما يقارب (1.5) مليار درهم. أما من حيث الجانب المروري، فسيتم رفع كفاءة قطاع التنقل في إمارة دبي بنسبة (20%) والحد من الحوادث المرورية والخسائر الناجمة عنها بنسبة (12%) الأمر الذي سيوفر (2) مليار درهم سنوياً، كما أنها تسهم في رفع إنتاجية الأفراد بنسبة (13%) عبر تجنب هدر (396) مليون ساعة على الطرقات سنوياً، كما أنها تسهم في تقليل الحاجة للبنية التحتية للمواقف بنسبة تصل إلى (20%) كما جاء في موقع مؤسسة دبي للمستقبل. ويشير الموقع أيضاً إلى أن هناك (دراسات أجراها المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع هيئة الطرق والمواصلات ومؤسسة دبي المستقبل شملت أكثر من (10) دول يتوقع أن تطبق هذه التكنولوجيا وهي: دولة الإمارات، الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، الهند، ألمانيا، هولندا، سنغافورة، المملكة المتحدة، فرنسا، اليابان، بأن (58%) من سكان المدن الرئيسية فيها يفضلون استخدام وسائل المواصلات ذاتية القيادة، في حين وصلت هذه النسبة في دبي إلى (70%)، وذلك لأسباب مرتبطة بزيادة الإنتاجية وعدم الرغبة في البحث عن مواقف لصف المركبات.

 

تحديات التطبيق:

تنبهت دبي للتحديات التي ستواجها تجاه التحول للنقل الذاتي على أرض الواقع بما فيه من تعقيدات قد تعيق عملية التطبيق أو تأخرها، الأمر الذي جعلها تنتهج نموذج مختلف في التطبيق والذي يقوم على شكل مناقصة تساهم في الإسراع من تطبيق هذا التوجه على أرض الواقع. هذه المناقصة تتم من خلال تحديد برنامج بخطط ونسب تطبيق واضحة تعتمد على معايير تقييم مفصلة للمشاركين في المناقصة مثل: الوقت المستغرق لرحلة التنقل، مدى سلامة ومرونة الرحلة، الكفاءة الاقتصادية ومدى دقة الوصول للوجهة. وبشكل عام تسعى المناقصة لتحقيق هذا التحول وفق مسارين رئيسيين:

المسار الأول: يختص بسيناريو التنقل ضمن الميل الأخير (Last Mile Transportation)، حيث سيتم من خلاله نقل الراكب من محطات ميترو معينة في إمارة دبي إلى عدد من الوجهات ذات النطاق القريب. هذا المسار سيساهم في زيادة التفاعل مع أنظمة النقل الذاتي من خلال الجمهور وكذلك يتكامل مع منظومة النقل الحالية والتي تستخدمها إمارة دبي.

المسار الثاني: سيناريو التنقل من خلال حافلات ذاتية القيادة ضمن أحياء سكنية محددة، هذا السيناريو يساهم في تعزيز النقل ضمن الحي السكني، والذي يعد النموذج المصغر للمدينة. يهدف هذا السيناريو إلى تفعيل وجهات نقل داخلية للعناصر العمرانية الأخرى داخل الحي، كالمتاجر، والمدارس، والعيادات والمراكز الخدمية.

 

كلا المسارين يمثلان تكامل مع منظومة النقل الحالية في إمارة دبي، إلا أن التركيز في نطاق خدمة النقل الذاتي ضمن المقياس الصغير، يعد حجر الأساس لتحقيق تحول واعي ومستدام بنفس الوقت. وذلك من خلال تحقيق أهداف صغيرة ضمن استراتيجية بعيدة المدى. قد يكون هذا المدخل مناسب للمدينة الحالية في حال الرغبة نحو التوجه للنقل الذاتي، بمعنى أن يتم دراسة المناطق الممكن تفعيل هذه الوسيلة داخلها، مع ربطها الكلي أو الجزئي بمنظومة النقل داخل المدينة نفسها. ومع ذلك يتطلب هذا المدخل الكثير من التغييرات داخل نطاق التطبيق نفسه، فعملية التحول ليست مجرد إضافة خيار آخر لوسائل النقل، بقدر ما هي تغيير وسيلة النقل نفسها. ومتى ما تم إدراك هذه الحقيقة، ستتضح الصورة أكثر من حيث جدوى تطبيق هذا التحول على أرض الواقع أم لا.

 

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الخامس للسنة الثالثة

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر