تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

مفهوم تغيّر العقل وعلاقته بالمعمار

 

قبل ثلاثة عقود من الزمن عندما بدأت الأمم المتحدة في استخدام كلمة (الاستدامة) لأول مرة بشكل رسمي، كانت الكلمة غريبة شأنها شأن مصطلح (العمارة الخضراء)، وبدأت هذه المفاهيم مبهمة إلى البعض ولم يأخذها الكثيرون بجدية خصوصًا عندما يتعلق الحديث بـ(تغيّر المناخ) والآثار البيئية المترتبة على ذلك. إنه الأمر ذاته عندما نادى الأطباء بمضار (التدخين) التي أصبحت في وقتنا الحالي مسألة جادة تسبب العديد من الأمراض والمشاكل كحال المسائل البيئية، التي بدأت تفرض أجندتها بشكل عالمي لتغيير سياسات الدول وسلوكيات الأفراد، بهدف تقليل التأثير البيئي والمشاكل الناتجة عن ذلك والتي تهدد مصير البشر.

بدأ يطفو في السنوات الخمس الأخيرة في أوروبا مصطلح (تغيّر العقل) ولم يكن بالإمكان حتى تصوّره قبل ثلاثة عقود، وقد استخدمته عالمة الأعصاب الكاتبة الدكتورة (سوزان غرينفيلد) عنوانًا لكتابها الذي تمت ترجمته من قبل المجلس الوطني للثقافة والآداب والفنون بدولة الكويت في فبراير( 2017م). تقول الكاتبة أننا نعيش في هذا الزمان تطوراً غير مسبوق بينما كان أجدادنا يعتمدون على الضوء المتراقص من الشموع للتغلب على ظلام الليل الدامس، أتاحت لنا التقنيات اليوم إنارة المدن والمباني وقهر الظلام، ومع تقدم التقنيات رفضها البعض كحال آلة الكتابة عندما اخترعها (جتونبرغ) لتحل محل القلم، حيث فضّل البعض الوضع الراهن آنذاك، إلا أنه لم يكن رأيهم عائقًا أمام التطور الحضاري، والحال نفسه بظهور الانترنت رُفض في البداية بحجة أضراره الاجتماعية إلا أنه أصبح مرتبطاً بالحياة اليومية بشكل وثيق للتواصل وتبادل المعلومات وأصبحت الشبكات اليوم تتحكم في منازلنا وحياتنا اليومية.

هذه التقنيات الفائقة التقدم تشد انتباه علماء الأعصاب إلى ظاهر مثيرة للجدل أسموها (تغيّر العقل) ليس الحديث عن الأثر الثقافي والاجتماعي وإنما الفسيولوجي وتغير بنية العقل. تكمن نتائج الاختبارات المخيفة أن المشابك العصبية للدماغ - وهي الوصلات التي تربط بين العصبون والآخر هي التعبير المادي عن الذكريات- تخضع لتغيير مادي مستمر بحسب الاستجابة للمثيرات البيئية الخارجية، وأظهرت الاختبارات المتعلقة بالشاشات التي تعمل بالاتصال اللاسلكي مدى قوتها لإحداث تغييرات فيزيائية في الأعصاب، حيث جرى اختبار عينة من أدمغة الفئران تحت بعض العوامل البيئية ولوحظ زيادة وزن الدماغ وسمك القشرة المخيّة وتغييرات أخرى وكان التغيير أوضح في الفئران الأصغر سنًا.

أثارت هذه النتائج جدلاً كبيراً بين علماء الأعصاب، كما أثارت ظاهرة (تغير المناخ) الجدل في وقت سابق. فردّها البعض لكونها فبركة سياسية كما يعتقدون، والبعض الآخر قال بأنها نظرية لم تُثبت، كذلك هو الحال مع (تغيّر العقل) رد بعض الأطباء أن الدماغ البشري قادر على التكيف بتغير البيئة وهو أمر إيجابي، وهناك من ذهب أن أدوات القياس ليست حساسة بما فيه الكفاية، وعليه فإن الأدلة العلمية غير قاطعة.

يبقى هذا الجدل بين أطباء أعصاب الدماغ إلا أن عدم إثباته تجريبيًا لا يعني تجاهله. وهو أمر ينير جانباً هاماً للمصمم المعماري خصوصًا ذاك الذي يسعى لامتلاك التقنيات كغاية وليس كوسيلة، عليه الانتباه أن أيّ تقنية يضمنّها في التصميم يمكن أن تؤدي إلى تقدم كبير، وهي كذلك يمكن أن تؤدي إلى مشاكل غير متوقعة أيضًا، والتي يجب أن نكون دائمًا في حالة تأهب لها في الواقع.

المعماري أنيطت به مسؤولية تحسين حياة الإنسان، وأصحاب مدرسة العمارة فائقة التكنولوجيا (High Tech) عليهم أن لا يغفلوا عن الآثار على صحة الإنسان وأخذها في الحسبان أثناء التصميم. ولا يعني ذلك أن توظيف التقنية ينتج عمارة أفضل! فالمباني القديمة لا زالت حتى يومنا هذا مثالاً يعكس مدى فهم وتجسيد المعماري لمعنى الوظيفة.

سيكون من المناسب أن نختم مقالنا بوصية للمعمار القدير الدكتور (محمد مكية) – رحمه الله- حيث كان يحث طلبته على حضور دروس الجغرافيا والفلسفة والتاريخ والدارسات الاجتماعية والاقتصادية - وليسمح لي أن أضيف الدراسات الطبية كذلك - فالعمارة حسب تعبيره ليست تخصصًا هندسياً تقنياً بحتاً، وإنما هي ثقافة تشمل جميع مناحي الحياة وترتبط بحياة بالإنسان بشكل وثيق.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر