مسكن بلا جيران

 

تخيل أن يقرر أحد سكان المدينة الخليجية الحديثة بناء مسكن العمر في منطقة متفردة متوحدة خارج المدينة، وأقرب مثال لها المناطق المخصصة للمزارع وتخيل معي عزيزي القارئ ماذا يمكن أن يفقده هذا الساكن وما هي الفوائد التي يجنيها؟ لنبدأ بالفوائد أولاً وهي كالتالي: المناطق الخارجية تتمتع بنقاء الهواء ولطافة الأجواء واتساع المكان وقلة الضوضاء كما أن الأرض التي سيبُني عليها مسكنه تبلغ مساحتها أضعاف المساحة الممنوحة له وسط المدينة، أضف إلى ذلك الأمان من الحوادث ومخاطر السيارات التي تهدد أهل المدن وغيرها من الإيجابيات التي لا يمكن حصرها.

في المقابل هناك سلبيات سوف نسردها لنتمكن من تحليل وضع الساكن خارج المدينة، أول هذه السلبيات أنه يعيش في منطقة معزولة من الجيران، ويأتي الجواب سريعاً وما فائدة الجيران حولي اليوم! فنحن نعيش في مساكننا من عشرات السنين ولا نكاد نعرف إلا أسماء جيراننا وأما تبادل الطعام فيحدث فقط في رمضان ويكون السائق هو الذي يوصله وبإمكانه في منطقة المزارع والشاليهات إيصاله. وأما الأطفال فهم أصلاً لا يخرجون من البيت للعب فجميع الألعاب الخاصة بهم موجودة في المسكن، ومع تطور الألعاب الإلكترونية فهم يلعبون مع أصدقاء لهم في أمريكا وكندا ولا حاجة لهم بالجيران. وتأتي السلبية الكبرى والتي لا يمكن للناس تقبلها هي توفر المدارس في المدينة لا خارجها وصعوبة وصول حافلات المدارس، وسريعاً يبدو السؤال المباشر وهو من يستخدم الحافلة للوصول للمدرسة في المدينة الآن؟ حيث أن (50%) من الطلاب يذهبون لمدارسهم باستخدام سيارات خاصة ولا تفرق مع السائق مسافة الرحلة إن كانت ربع أو نصف ساعة، وأخيراً وليس آخراً فإن السلبية الأخرى وهي أن التواصل في الحي السكني بين المسكن والمسجد والبقالة وغيرها من الخدمات اليومية لا يمكن أن تتحقق في المناطق الخارجية وهنا يأتي الجواب أن الأغلبية اليوم تستخدم السيارة في الذهاب للمسجد أو البقالة أو أي خدمة في الحي وهذا يتوفر في خارج المدينة ولو كان أبعد قليلاً.

بعد سرد كل تلك الإيجابيات والسلبيات تبقى بعض المتعلقات في الذاكرة المكانية للناس في المدن الخليجية أهمها التواصل بين الجيران والطعام الذي يهديه الجيران لجيرانهم خاصة في المناسبات الهامة كرمضان والأعياد، بالإضافة إلى تواصل الأطفال سواء للعب أو التجمع في أماكن مخصصة للذهاب إلى المدارس صباحاً، كذلك الزيارات المتوالية والوقوف إلى جانب جيرانهم في المناسبات المختلفة سواء أفراح أم أتراح، كل ما تستحضره الذاكرة في هذا المجال لم يعد يلقى قبولاً لدى رب الأسرة الحديثة وذلك لعدة أسباب أهمها أن المساكن الحديثة بكبر مساحة أراضيها- أصبح البعض بحاجة للتنقل بين الفيلا وبوابة السور بوسيلة مواصلات- هدمت معظم قواعد التواصل الأساسية بين الجيران، فالمشي إلى المسجد أصبح من الأمور العسيرة إن لم يكن من المستحيلات وبذلك تصبح السيارة هي وسيلة الوصول للمسجد في البيت أو المزرعة، وأما موضوع ذهاب الطلبة للمدرسة بالحافلات فهذه موضة قديمة حيث أن كل بيت له سائق خاص يوصل أبناءه للمدارس وعليه فلا فرق أن يأخذهم من البيت أو المزرعة، وأما موضوع تبادل الطعام بين الجيران فإن أساس هذه الفكرة هي الحاجة والفقر الذي كانت تعيشه المجتمعات الخليجية والمستمدة أصلاً من حديث نبوي "ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه" وأما الآن فإن الجيران أغنياء ولا حاجة لأحد في صحن طعام يهديه إليه جاره.

لا شك أننا لا نود أن نجعل الأسرة معزولة عن ما حولها من الجيران ولكن الواقع أننا نحن المخططين والمصممين وأصحاب القرار من حكمنا على الجيران بالعدم من خلال تخطيط المناطق السكنية بحيث أصبح كل مسكن مملكة مستقلة ليست بحاجة للمساكن التي حوله وعليه فلا نعجب إذا اتخذ أحدهم قرار بالسكن لوحده في مزرعة أو جزيرة لأنه الآن يسكن بيننا ولكنه في الواقع معزول عن مجتمعه وبيئته وجيرانه.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي