تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

لكي لا تصبح مدننا ضحية لنمونا وتقدمنا

 

هناك معلومة يكثر استخدامها بشكل كبير في الأوساط العمرانية العملية والأكاديمية، تقول المعلومة أن عام (٢٠١٥م) كان تاريخياً لأنه وللمرة الأولى ازدادت نسبة سكان المدن عن نصف سكان الكرة الأرضية. تستخدم هذه المعلومة غالباً لتبيين النمط السائد عالمياً للتمدن ونمو المدن السريع مقابل هجرة جماعية من الأرياف والمزارع، ففي عام (١٩٥٠م) كان عدد المدن التي يتعدى سكانها المليون شخص فقط (٧٨) مدينة، وبحلول عام (٢٠٠٠م) تجاوز عدد تلك المدن الـ(٤٠٠) مدينة!

ورغم أن الصورة الذهنية للسعودية خصوصاً ودول الخليج عموماً ارتبطت عند الغرب بالجمل والصحراء والإنسان البدوي، وساد الاعتقاد بأنها دول غير متمدنة يعيش أغلب سكانها في البادية أو في المزارع. إلا أنها قد تكون في مقدمة الدول المتمدنة. على سبيل المثال، يتركز (٩٩٪) من سكان الكويت في مساحة لا تتجاوز (٨٪) من مساحتها الكلية. وحسب إحصائية أُجريت عام (٢٠٠٥م) يعيش (٨٥٪) من سكان السعودية داخل المدن، وهذه نسبة مرتفعة بكافة المقاييس (على سبيل المقارنة تبلغ هذه النسبة (69%) في إيطاليا، (74%) في سويسرا، و(٧٦٪) في ألمانيا). هذا التمركز داخل المدن حصل في وقت قصير وقياسي، فحتى الخمسينات كانت نسبة سكان المدن في السعودية لا تتجاوز (١٠٪) من عدد السكان الكلي، في تلك الفترة كانت نسبة من لا يسكن في مكان واحد بشكل دائم أكثر من (٦٠٪)، وتقلصت هذه النسبة حالياً لتصل لأقل من (٥٪).

 

لكن ماذا يعني هذا النمو السريع والتوجه الكامل للتمدن؟ وماهي آثاره على بناء وإدارة المدن؟

 

لهذا النمو السريع آثار إيجابية وأخرى سلبية. فمن الناحية الإيجابية يوفر تمركز السكان في المدن عدد من الفرص الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، كما يعزز وبشكل كبير من كفاءة الإنفاق على البنية التحتية والخدمات العامة. لكن على الجانب الآخر، الازدياد السريع لعدد السكان يخلق تحد كبير لإدارة المدينة وقد يؤثر سلبياً على جودة المعيشة فيها. التاريخ مليء بتجارب لمدن عالمية كبيرة (مثل لندن ونيويورك) نمت بشكل سريع وفي وقت قصير لدرجة أثرت سلبياً على جودة الحياة فيها وأدت لانخفاضها بشكل كبير في فترة النمو. التوسع والنمو مهم ومطلوب وإيجابي، لكن المعادلة الصعبة تكمن في المحافظة على جودة المعيشة داخل المدينة التي تنمو بهذه السرعة. والإدارة الناجحة للمدينة تتطلب تشجيع النمو المتوازن مع المحافظة على جودة حياة عالية. ولهذا السبب أرى أن برنامج جودة الحياة والذي أطلق مؤخراً ضمن برامج رؤية (٢٠٣٠م) يعد أحد أهم البرامج التي تهم العمرانيين بشكل عام وجميع سكان المدن عامة وبإذن الله يسهم إيجابياً في تحقيق ذلك التوازن المنشود.

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر