عادات تصميمية بالية

 

كما هو الحال في مختلف جوانب الحياة نجد في عالم التصميم مبادئ متوارثة عبر الأجيال والثقافات المختلفة, قد ترك بعضها أثراً إيجابياً على العمران الحديث، وقد أثبت بعضه فشلاً ذريعاً في خدمة الإنسان والبيئة، مما يستوجب التدبر بها واستبدالها بحلول أكثر عملية ومنطقية.

من تلك العادات البالية حقاً في الشكل والوظيفة ما نراه في معظم تصاميم الشقق السكنية بما يعرف بـ(المنور), فقد يلاحظ المهندسون والمهندسات حرص العملاء على إيجاد المنور وتحقيق مكانه دون مبرر لتواجده. دعونا نستهل بالقول أن التصميم الجيد للشقق السكنية لا يستوجب ولا يستلزم وجود منور فهو مبدأ تصميمي موروث من ثقافات أخرى لم تثبت نجاحها في التصميم. يعزى استخدام المناور إلى حاجة الشقق لمصدر تهوية فيتم عمل (مربع) مساحة معينة في قلب المبنى دون بناء لتمتد من الطابق الأرضي حتى السطح لتسمح بمرور الهواء، فيتم تلقائياً توزيع الشقق معمارياً بحيث تطل المطابخ وبعض دورات المياه على المنور وأحياناً بعض غرف النوم.

فكيف لفضاء مغلق من كل الجهات عدا الجهة العلوية التي قد تبعد بمقدار (6) متر عن كل شقة أن يسمح بتهوية صحي وطبيعي؟! أو أن يكون مبرر تواجده هو مركز خدمات للشقق من أنابيب مياه وغيرها؟!

أما عن التهوية فالتصميم الجيد يقوم بعمل دراسة للتهوية قبل بدء التصميم ومن ثم ترتيب مواقع دورات المياه والمطابخ وغرف النوم تباعاً حسب حاجتها للهواء وحركة الهواء في تلك المنطقة وطرق انتقال الروائح. وجود المنور في قلب مبنى سكني وتوزيع المطابخ حوله يعني أن كل فتحات تهوية مراكز الشفط (المراوح الكهربائية) ستعمد لدفع الهواء خارجاً من المطبخ. بلغة أبسط إن كان جاري يقوم بعمل أكلة سمك شهية فسأجد رائحة السمك في شقتي عن طريق مراكز الشفط الموجودة في المطبخ ودورات المياه المطلة على المنور. أما بخصوص الخدمات من صيانة وغيرها فلا تعتبر المناور مكاناً آمناً لفني الصيانة ليقوم بالتعلق بحبل والنزول خلالها ويمكن الاستغناء عن ذلك بجعل أنابيب الخدمات خلف المبنى ليسهل صيانتها والتحكم بها.

عادة أخرى تصميمة نجدها في العديد من التصاميم المعمارية لمختلف المشاريع هي وجود كسرات في أطراف الجدران أو نقاط التقاء الجدران تسمى أحياناً (شطفات) والتي يعمد بعض المصممون والملاك لإضافتها بحجة أنها تعمل على كسر الإيقاع المتكرر في التصميم. ولا يختلف اثنان على كون الإيقاع المتكرر ممل، لكن من الخطأ معالجته بكسره بجزء لا يمت له بصلة, فالتصميم يسير وفق نغمات معينة لإنتاج إيقاع جميل. وقد يكون الحل الأمثل في أن يعمد المصمم لرفع النغمة أو خفضها مما يؤدي لتميز الإيقاع دون كسره. وجود الشطفات في التصميم قد يبدو مغرياً جداً على الورق ولكنه يتضمن عدد من الصعوبات في مراحل التنفيذ، سواء في تشطيبات الواجهات الخارجية وضرورة قص ونحت المواد ليمكن تثبيتها بما يتناسب مع زوايا تلك الكسرات. أو داخلياً في التأثيث ومحاولات ملئ هذه الفراغات التي غالباً ما تنتهي بكونها زوايا ميتة لا وظيفة لها ومن الصعب جداً إبرازها بشكل جميل.

هنالك العديد من العادات التصميمية إضافة لما ذكر أعلاه, المقصد أن أبجديات التصميم تحتم على المصمم تحقيق دراسة وافية لما هو متعارف عليه في المجتمع ودراسة مدى فعاليته في التصاميم المقامة والتصاميم المستقبلية لإنتاج قطع فنية متميزة في الشكل والوظيفة. قد تظهر لنا قوانين وعادات يعمد المجتمع لتطبيقها باستمرار، فينتهي الحال بأن نصل لمرحلة استنكار العميل من عدم وجود هذه الأعراف التصميمة في التصميم المقدم! كأن تطرح مثلاً إمكانية عمل منزل بغرف نوم متعددة دون ممرات, قد تبدو فكرة متميزة لكن تصاعد الأسئلة المستمر عن كيف سيتم التنسيق؟ ماذا عن تحقيق خدمات مشتركة بين الغرف مثل دورات المياه أو كاونتر خدمة؟ سيرفع مستوى الشك لدى العميل/المالك بمدى فعالية التصميم المقترح، مما قد يؤدي لرفضه في أغلب الأحيان خاصة حين يعمد العميل لاستشارة الأقارب فيما قدم له من مقترحات.

أختم بالقول أن العديد من المبادئ التصميمة والأعراف المتبعة جذرياً كالنقاط أعلاه أو بشكل مبسط كاستخدام الرخام في أقسام الضيوف ليس إلزامياً بالفعل, فالتصميم بشكل أساسي يهدف لتحقيق وظائف معينة بما يلائم توقعات الملاك وإيجاد حلول تعكس فكر العقل المدبر خلفها, توارث الأعراف التصميمية لا يطور من فعاليتها ولا يضفي أي نوع من التميز على تجربة المستخدم.

 

التصميم فكر.. يجب أن يحسن حياتك لا أن يعقدها.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي