برنامج جودة الحياة من منظور معماري

 

دُشِّن برنامج جودة الحياة (2020م)، والمعني بتحسين نمط حياة الفرد، والأسرة، والمجتمع عامةً، من خلال توفير وتهيئة بيئة داعمة ومتفاعلة مع المواطن والمقيم. ومعززة لمشاركتهم في مختلف الأنشطة الثقافية، الترفيهية والرياضية. يهدف البرنامج بشكل رئيسي لوضع (3) مدن بقائمة أفضل مدن العالم للعيش، معتمداً بذلك على معايير ومؤشرات مختلفة للقياس، ومستند على مؤسسات متخصصّة لعمل دراسات بهذا الجانب. وللبرنامج أهداف عديدة، كتحسين المشهد الحضري في المدن، تطوير قطاع السياحة، غرس وتعزيز مبادئ الوطنية، المحافظة على المبادئ الإسلامية، تعزيز اللغة العربية، الارتقاء بجودة الخدمات المقدّمة، تعزيز مفاهيم الوقاية من المخاطر الصحية، وخلق وظائف جديدة كماً ونوعاً. فالرابط بين تحقيق هذه الاهداف يعتمد على مدى إمكانية خلق بيئة عمرانية متفاعلة ومتكاملة مع الفرد ومجتمعه، ومؤثّرة إيجاباً في سلوكه ونفسيته، متضمّنة حلول ذكيّة، ومبتكرة، وذات فاعلية يتم تجسديها كمشاريع حضرية تنموية على أرض الواقع. وهنا يأتي الدور الحقيقي للعمرانيين بمختلف تخصصاتهم ومجالاتهم، فهم أحد الفاعلين في تشكيل القرار لصناعة الحياة والحضارة بشكل أو بآخر. ولذلك، علينا استشعار مدى أهمية قراراتنا التصميمية، فكلما كانت عمارتنا ملبّية لاحتياجات الإنسان بجودة عالية، زادت سعادته وبالتالي جودة حياته، فهي علاقة طردية يستحيل إنكارها. وكما قال (وينستون تشرشل) معبّراً عن مدى تأثير العمارة على سلوك الإنسان وانعكاسها على حياته (نحن نصنع أبنيتنا، ومن ثم هي تصنعنا وتنظم مجرى حياتنا).

من المنطقي أن نفكّر فوراً كمعماريين بدورنا في هذا البرنامج، وكيف سنتفاعل معه؟! قد يدفعنا هذا السؤال للبدء أولاً في اختزال تلك المعايير وترجمتها بلغة مهنيّة تمكّننا من توصيف مهامّنا بشكل عام في البرنامج، والمتمثّلة في رأيي بمحورين: أولاً، تهيئة الأسباب التي من شأنها تحقيق معيشة مرضية للإنسان، من خلال خلق منظومات تدعم وتساهم بإنشاء خيارات جديدة فعّالة. وثانياً، خلق بيئات جاذبة ومحفّزة للاستمتاع بالحياة، من خلال المشاركة بتطوير مختلف الأنشطة وجعلها مساعدة وملائمة لتعزيز جودة حياة الفرد والمجتمع بأسره. كلّ ذلك يترتّب على التصاميم والاستشارات المعمارية المقدّمة كحلول للمشاريع.

فمن المعروف أن المحددات والمعطيات لأي مشروع تعدّ مدخلات أساسية في العملية التّصميمية، وعلى الرغم من أنها باتت إلى حدّ ما روتينية لدينا، إلا أنها في طور التغير في ظل التحولات الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، والبيئية، تبعاً وتأثراً بأهداف الرؤية (2030م) وأهداف برامجها. هذا التغيير أو التحول يوسع من نطاق الإمكانات والاحتمالات للمعماري، ويضيف له نوع من المرونة التي تمكنه من إعادة صياغة جملة المباني كبيئة مبنيّة، وبالتالي تحسين مشهدها العمراني تدريجياً، وإعادته لجوهره ورسالته في عمارة الأرض والبشرية، ضمن منظومة تكاملية تصل بعمارتها لذروة الإنسانية محقّقة بها الحياة الكريمة. نحن نحتاج في هذا التحول الذي نعيشه، أن نصحح من مفهوم القرارات الفردية والمصالح الشخصية ضمن صناعة المشهد العمراني، وأن نسعى إلى أن تكون تلك القرارات الفردية وحتى العامة قائمة على أولوية جودة حياة المجتمع والتنمية، بهدف إنتاج نماذج معمارية محفّزةًللمستخدم، ومعززة للمبادئ الإسلامية والوطنية تساهم في التقليل من المخاطر الصحيّة. فإما أن نحقق ذلك، وإلّا فإنه سوف تأثر تلك السلوكيات سلباً على حياة المجتمع، بل وستتسبب بتأخير عجلة التنمية، مستنزفةً موارد الدولة بنهاية المطاف، حيث ستستمر العملية ذاتها في حلقة مفرغة من القرارات الخاطئة والمثبّطة.

أعتقد أنه يتوجب علينا كمعماريين، إذا أردنا الاستجابة واللحاق بركب الحركة التنموية في مملكتنا، والمساهمة بتكليل رؤيتنا بالنجاح، أن نلم في المقام الأول بمستجدّات العمارة والتزوّد بقدر جيد جداً من الأدوات المعمارية الحديثة، وسبر أغوار ما لم نحظ بتصميمه أو تنفيذه من مختلف المشاريع الرائدة (كأندية الطيران الترفيهي، الملاعب لمختلف الرياضات، صالات السينما، وغيرها) من خلال البحث، والتجربة، والاطلاع. فضلاً عن الإيمان قطعاً قبل كل شيء، بأن العمارة كفيلة بإسعاد الإنسان. ولعل النقطة الأهم تكمن في اليقين، بأن نؤمن ونعمل على أن العمارة رسالة ولغة تتخاطب مع الجميع، تؤثر وتتأثر إيجاباً وسلباً، ويمكن من خلالها صناعة حياة بجودة عالية.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي